على مر العصور، لم يكن التاريخ مجرد سرد للأحداث والخلافات السياسية والاجتماعية والحرب من أجل حكم أو دفاع عن ديمقراطية وسلام، بل كان دائماً ساحة للصراع على الموارد والأطماع الاقتصادية واستغلال الثروات المختلفة.
وإذا ما نظرنا بتمعن في السجل الأمريكي، سنكتشف أن “المبادئ” و”السلام” لم تكن سوى واجهات براقة تخفي خلفها شهية اقتصادية لا تشبع ولا تغني من جوع.
فمنذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها أقدام المستوطنين البيض أرض “العالم الجديد”، لم يكن الهدف بناء أمة فحسب، بل كان إبادة السكان الأصليين ـ الهنود الحمر ـ في الأرض المكتشفة لبسط النفوذ المطلق على الأرض وثرواتها.
في التاريخ يا سيدي، لم يكن إلقاء القنابل الذرية على اليابان مجرد محاولة لإنهاء الحرب، بل كان إعلاناً دموياً للسيادة. والنتيجة؟ تحويل اليابان إلى تابع اقتصادي، وصياغة دستور عام 1945 بأيدٍ أمريكية لضمان السيطرة الأبدية.
هذا النهج تكرر في كوريا وفيتنام وكوبا أيضًا، حيث حروب لم تكن تهدف لنشر الحرية بقدر ما هدفت لتدمير البنى التحتية وإخضاع المناطق الحيوية للهيمنة الأمريكية.
في العراق، سقط قناع “أسلحة الدمار الشامل” سريعًا، لتظهر الحقيقة العارية، وهي: الرغبة في إبادة الجيش القومي العراقي والسيطرة الكاملة على النفط العربي.. أما في أفغانستان، فقد دخلت الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم القاعدة الذي ساهمت هي نفسها في صناعته، متخذة من أحداث 11 سبتمبر ذريعة للبقاء في قلب آسيا.
حتى الحديث عن إعادة هندسة ورسم وتوزيع خريطة الشرق الأوسط، هو أصلا في الحقيقة مقصده في السيطرة والهيمنة على ثروات المنطقة وإحكام الزمام عليها.
ولم ينجُ القرن الأفريقي من هذه المكائد، فدخول الصومال عام 1991 لم يكن إنسانيًا أبدًا، بل كان استراتيجيًا بامتياز، فالصومال بموقعه على خليج عدن وقربه من مضيق باب المندب، يمثل “عنق الزجاجة” للتجارة العالمية ونفط الخليج، والسيطرة هناك تعني التحكم في الملاحة الدولية وفرض القيود على كل المنافسين العالميين.
ويُخطئ من يظن أن الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل هو نابع من اعتبارات دينية أو عاطفية فقط.. الحقيقة أن إسرائيل هي “الأداة” التي تضمن بقاء التوتر في الشرق الأوسط، مما يسهل التدخل الأمريكي. واليوم، تبرز الأطماع في حقول الغاز والنفط في البحر الأحمر وقبالة شواطئ غزة كمحرك أساسي للصراع، بعيدًا عن شعارات “الحق التاريخي” أو “الدفاع عن النفس”.
واليوم، حين رفضت فنزويلا الانصياع للوصاية الأمريكية، لم تبتكر واشنطن حيلة جديدة، بل استخدمت نفس الأسطوانة المشروخة: اتهام الإدارة الفنزويلية بتجارة المخدرات لتبرير الانقلابات ومحاولة القبض على الرئيس.
إنها “الحيلة” ذاتها التي تُستخدم ضد أي نظام يرفض تسليم ثرواته الطبيعية للشيطان.
وسؤالي الذي لا أتصور أنني سأعيش حتى تتحقق إجابته المرغوبة، هو: متى يستيقظ العالم من كابوس “الشيطان الأكبر” بنهايته الأبدية؟
إن ما يحدث اليوم في ليبيا وسوريا واليمن وأوكرانيا وفنزويلا، وحتى الضغوط الممارسة على ولايات داخلية مثل كاليفورنيا من أجل الليثيوم والمعادن، يؤكد حقيقة واحدة: أمريكا لا تتحرك إلا بدافع “الشهوة الاقتصادية”.
فعبر التاريخ، لم نجد استعمارًا دون أهداف مالية، وما تفعله أمريكا هو النسخة الأكثر حداثة وفتكًا من الغزو الأوروبي للقارة السمراء.
إنها ليست راعية للسلام، بل هي “مهندسة النزاعات” التي تقتات على دماء الأبرياء.
السؤال الذي يبقى معلقًا في أذهان الأمهات الثكالى والأطفال المشردين في مشارق الأرض ومغاربها: متى ينتهي هذا الظلم؟ متى يتحرر العالم من قبضة القوة التي لا ترحم، ليعيش الناس في أمن حقيقي بعيدًا عن مكائد الهيمنة وشهوات النفط؟.. متى؟!!











