في علم السياسة والاجتماع، تبدو المصطلحات براقة وجذابة، لكن المسافة بين المصطلح والتطبيق أصبحت في الآونة الأخيرة حفرة سحيقة لا قرار لها، حيث نعيش اليوم زمن “الأكذوبة الكبرى”، حيث تُتخذ الحرية والليبرالية والديمقراطية عباءة فضفاضة تُخفي خلفها خناجر السباب، وسيوف طعن المبادئ، وفؤوس الهدم الأخلاقي.
وقبل أن نغوص في مستنقع التجاوزات، دعونا نستذكر الأصل، فالليبرالية في جوهرها هي فلسفة تقوم على استقلال الفرد وحريته في التفكير والتعبير، مع الالتزام الصارم بمبدأ التسامح وقبول الآخر وحرية الاختلاف في الرأي.. أما الديمقراطية ياسيدي، فهي ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي “ثقافة” تحكمها قواعد اللعبة التي تحترم الأقلية قبل الأغلبية، وتجعل من الحوار العقلاني وسيلة وحيدة لإدارة هذا الاختلاف.
لكن، وبالنظر إلى واقعنا المرير، نجد أننا أمام مسخ مشوه لهذه المفاهيم، وحتى نكون منصفين، لا نعمم الحكم على الجميع، فالتعميم لغة الجهلاء، لكن “الأغلبية” ممن يرفعون حناجرهم بالمناداة بهذه القيم، يمارسون في واقع الأمر “ديكتاتورية فكرية” فجة.
المفارقة المضحكة المبكية تجدها في أحزاب وتيارات ترفع شعار “الليبرالية” أو “العلمانية” أو “حرية النقد”، وتدعي أن الاختلاف هو سر قوتها وميزتها، لكن بمجرد أن تضع فكرهم أو رموزهم تحت مجهر النقد الحقيقي، تنكشف العورات، فلن تجد أنصار هؤلاء يدافعون عن أفكارهم ببرامج سياسية، أو مقترحات اقتصادية، أو رؤى تنموية، لكن بدلاً من ذلك، ستجد “جيوشًا إلكترونية” وأتباعًا جاهزين بملفات “الطعن في الذمم” و”الخوض في الأعراض”، ليتحول الاختلاف من ثراء إلى معركة تكسير عظام، ويصبح الشتم والسباب هو اللغة الرسمية لمن يعجز عن مواجهة الحجة بالحجة، وتنتشر القضايا الكيدية وغيرها.
الكارثة الكبرى تتجسد حين يحاول الطرف المتضرر استرداد حقه بالوسائل القانونية الحضارية، هنا، تنقلب الآية وتتبدل الموازين، ويُنعت هذا الذي لجأ للقانون بأنه “ديكتاتوري” أو “عدو للحرية” و”مفتقر للأخلاق”. وكأن انتهاك الحرمات والسباب أصبح هو الفضيلة التي يجب حمايتها، وكأن القانون أصبح أداة قمع في نظر من استحلوا كرامات الناس!
إن هؤلاء الأدعياء ينادون في العلن بما يفتقدونه أصلًا في سماتهم الشخصية وحياتهم الخاصة، هم أنصار “الحرية” طالما كانت الرياح في شراعهم، وهم “ديكتاتوريون” بامتياز إذا ما تجرأ أحد على كشف عجزهم الفكري.
لقد باتت هذه الممارسات ثقلًا على قلوبنا، وعبئاً على وعينا الجمعي، وسببًا من أسباب عزوفنا عن المشاركة ولو حتى بالرأي في أي مسألة، ولا أقول إن الجميع فاسد، فهناك شرفاء قابضون على جمر المبادئ، لكن الغالبية انخرطت في هذا الوحل حتى نسينا “الحق” و”الصحيح”.
لن يستقيم الظل والعود أعوج، فلا يمكن بناء ديمقراطية بلسان سليط، ولا يمكن ادعاء الليبرالية بقلب لا يتسع لنقد واحد، وأتمنى أن يأتي يوم تختفي فيه هذه الكوارث الأخلاقية، ونعود فيه إلى ممارسة “أدب الاختلاف” قبل “حق الاختلاف”، فالحرية التي لا يحميها الأدب هي مجرد فوضى مقنعة.









