ليست كل أغنية تُسمع ثم تنتهي ؛ فبعض الأغاني تُشبه رسالة تأتي في توقيتٍ دقيق، وتستقر في القلب لأنها لا تكتفي بإثارة المشاعر، بل تُعيد ترتيبها، وتضع أمام الإنسان “خريطة طريق” لما ينبغي أن يكون عليه الحب حين يتحوّل إلى علاقة، وحين يصبح الارتباط مشروع عمر لا لحظة إعجاب عابرة.
ومن هذا النوع العميق، أجد أن أغنية “وصلتي” بكلمات الشاعر عليم وأداء الرائعة ياسمين علي، قد تجاوزت حدود الطرب إلى مساحة أرحب؛ مساحة يمكن وصفها بأنها منارة ومنهج لكل من يبحث عن علاقة إنسانية ناضجة، تبدأ صحيحة وتستمر صحيحة، وتُكتب لها الاستمرارية لأن أساسها واقعي وإنساني، لا مُتخيَّل ولا مُزيَّف.
هذه الأغنية لا تُقدّم لنا صورة مثالية لرجلٍ خارق، ولا تبني أحلاما ً وردية ثم تُسقطها على الحياة، بل تفعل شيئا ً أصدق بكثير:
تُمسك بجوهر الاحتياج الذي يطلبه القلب في علاقته ؛ وهو الأمان .. لذلك لم تبدأ الأغنية بجملة حب تقليدية، بل بدأت بأبسط عبارة قد تبدو عادية في ظاهرها، لكنها في معناها أعمق من ألف اعتراف:
“واحشني حد يقولّي .. إيه طمّنيني وصلتي؟”
هنا تتحوّل كلمة “وصلتي” من مجرد وصولٍ مكاني إلى وصولٍ نفسي، إلى رسالة تقول: أنا أراك، أنتِ مهمة، سلامتك ليست تفصيلة، وغيابك ليس وقتا ًعابراً .
وهذه هي النقطة التي يجب أن ينتبه لها كل من يبحث عن علاقة ناجحة؛ لأن العلاقات لا تنهار غالبا ً بسبب غياب الحب، بل تنهار لأن الأمان يتسرّب منها بالتدريج، حتى تصبح العلاقة نفسها مصدر قلق بدل أن تكون مصدر راحة.
ثم تواصل الأغنية وصف “الرجل المطلوب”، ولكن ليس بوصفه فارسا ً على حصان، بل شريكا ً إنسانيا ً حقيقيا ً .. رجلا ً يشبه العائلة في الإحساس، لا في الدم:
“أرتاح له ولأفكاره .. ولجدّه قبل هزاره .. وأحسّ فيه من عيلتي”
وهذه الجملة وحدها كفيلة بأن تلخص معنى الشريك الذي يصلح للحياة:
الإنسان الذي تشعر معه أنك في مأمن، وأنك تتحدث دون خوف، وأن اختلافكما لا يتحوّل إلى معركة، لأن الاحترام حاضر، والنضج حاضر، والمساحة الإنسانية محفوظة.
وتضع الأغنية ثلاث قواعد ذهبية تُشبه معايير الاختيار الصحيح:
“ما يكونش عقله صغير .. ولا جاي فيّا يغيّر .. ولا جاي يتقّل شيلتي”
هنا نحن أمام تعريف شديد الدقة للارتباط الصحي:
لا يكون صغير العقل؛ لأن العلاقة ليست اختبار قوة، بل مساحة فهم.
ولا يأتي ليغيّرها؛ لأن من يحبك حقا ً لا يدخل حياتك ليُعيد تشكيلك وفق هواه، ولا يأتي ليزيد حملها .. لأن الشراكة الحقيقية لا تُثقل القلب؛ بل تُخفف عنه.
ثم تنتقل الأغنية إلى جوهر آخر لا يقل أهمية وهو الحضور وقت التعب، الذي يمثل الفارق الحقيقي بين علاقة تُصلح للحياة، وعلاقة تصلح للكلام فقط.
“يفضل دايماً حواليّا .. ما يسبنيش وأنا تعبانة .. وما أباتش دموع ف عينيّا .. ما ينيّمنيش زعلانة”
الحب الذي لا يملك قدرة الاحتواء وقت الوجع، ولا يملك فعل الطمأنة وقت الانكسار، هو حبٌ ناقص مهما كان جميلا ً في التعبير .. فالمشاعر وحدها لا تكفي؛ لأن الحياة ليست لحظات حب فقط، بل أيام ضغط، وتعب، وخوف، واحتياج.
والشريك الحقيقي هو الذي يجعل هذه الأيام أخف، لا أثقل.
ثم تصل الأغنية إلى واحدة من أصدق العبارات التي تصف أثر العلاقة الناجحة على الإنسان من الداخل:
“أهتم عشانه بشكلي .. وأرجع أحبّني ف مرايتي”
هنا تُعلن الأغنية أهم قاعدة نفسية في العلاقات: أن العلاقة السليمة لا تمنحك حبا ً من الطرف الآخر فقط؛ بل تُعيدك إلى حب نفسك، تسترد ثقتك، وتسترد صورتك، وتتصالح مع روحك، لأنك وجدت إنسانا ً لا يهدمك؛ بل يراك كما أنت، ويحتويك كما أنت.
لكن ذروة الأغنية، والعبارة التي تصلح فعلا ً أن تكون دستورا ً لكل من يبحث عن ارتباط ناجح، جاءت في هذه الجملة:
“أنا عايزة حد حنين .. ما يجيش عليّا يزوّد .. م الأوّل أبقى بحبه .. مش أحبه لمّا أتعوّد”
هذه العبارة ليست مجرد إحساس، بل فلسفة كاملة؛ لأنها تُفرّق بوضوح بين مفهومين يخلط بينهما كثيرون:
( الحب ، والاعتياد).
الحب من البداية يعني توافقا ً طبيعيا ً، وارتياحا ً صادقا ً،وقبولاً لا يحتاج مجهودا ً مصطنعا ً.
أما الاعتياد؛ فقد يحدث لأنه لا توجد بدائل، أو لأن الإنسان خاف من الوحدة، أو لأنه ظن أن الوقت سيُصلح ما لم يصلحه التوافق من الأصل.
وهنا تظهر حقيقة لا تقبل التجميل وهي أن :
( الطبع يغلب التطبع ).
فمهما حاول الإنسان أن يتكيّف مع ما لا يناسبه، ستخرج الطباع في النهاية، وسيعود كل طرف إلى جوهره .. ولذلك فأخطر ما يمكن أن يبدأ به الإنسان علاقة، هو أن يدخلها وهو يأمل أن يتغير الطرف الآخر مع الوقت، لأن من يبني اختياره على التغيير، غالبا ً سيحصد خيبة، لأن العلاقة الناجحة لا تبدأ بمحاولة إصلاح إنسان، بل تبدأ بالعثور على إنسان مناسب من الأساس .. ومن هنا نفهم لماذا تقول الأغنية:
“مش أحبه لمّا أتعوّد”
لأن الاعتياد لا يصنع حباً حقيقيًا ؛ بل يصنع تعايشا ً، وقد يصنع استمرارا ً شكليا ً، لكنه نادرا ً ما يصنع سعادة واستقرار.
ثم تختم الأغنية فكرتها بأجمل تعريف للشريك الذي تستمر معه الحياة:
“عايزاه يكون ويّايا .. ظهر وسند وحماية .. أكتر كمان م اللازم”
فالإنسان حين يبحث عن علاقة ناجحة، لا يبحث عن كلام جميل فقط؛ بل يبحث عن وطن صغير، عن قلبٍ يحتمله، وكتفٍ يسنده، وأمانٍ لا يتبدل بتبدل المزاج.
ولهذا أرى أن أغنية “وصلتي” ليست أغنية حب تقليدية؛ بل منارة تهديك إلى المعنى الحقيقي الذي يجب أن تبحث عنه، ومنهج يضع أمامك قواعد الاختيار، قبل أن تدفع ثمن الارتباط الخاطئ.
وإذا أردنا أن نختصر رسالة الأغنية فهي تقول لك:
لا تبحث عن علاقة تُكمل وقتك، ابحث عن علاقة تُكمل نفسك.
ولا تراهن على الاعتياد؛ لأن العبرة دائما ً بالتوافق لا بالتعوّد
(تنويه حقوقي)
كلمات الأغنية مملوكة لصُنّاعها وناشريها، ونشرها هنا لأغراض التوثيق والتحليل النقدي، مع كامل الاحترام لحقوق الملكية الفكرية.
نص كلمات أغنية “وصلتي” ( كلمات: عليم / أداء: ياسمين علي / ألحان بوحنا / توزيع يوسف مؤنس )
واحشني حَدّ يقولّي
إيه طَمّنيني وصلتي؟
وف زعلي منه يقولّي
مقدرش تبقي زعلتي
أرتاح له ولأفكاره
ولجَدّه قبل هزاره
وأحِسّ فيه من عيلتي
ما يكونش عقله صغَيّر
ولا جَيّ فيّا يغَيّر
ولا جَيّ يتقّل شيلتي
يفضل دايمًا حواليّا
ما يسبنيش وأنا تعبانة
وما أباتش دموع ف عينيّا
ما ينيّمنيش زعلانة
يسمع وأنا بحكي مشاكلي
يشاركني ف كل حكايتي
أهتم عشانه بشكلي
وأرجع أحِبّني ف مرايتي
أنا عايزة حَدّ حِنَيّن
ما يجيش عليّا يزوّد
م الأوّل أبقى بحِبّه
مش أحِبّه لَمّا أتعوّد
طريقته تبقى مريحه
يجبرني أبقى صريحة
مش أصارحه علشان لازم
عايزاه يكون ويّايا
ظهر وسند وحماية
أكتر كمان م اللازم










