“الأمانة الحياء الضمير الصدق”..كلمات لم تختفي من القواميس، لكنها تراجعت من الممارسة اليومية، حتى صار التمسك بها استثناء ً وليس قاعدة.
المشكلة لم تكن يوما ً في غياب القيم، بل في اختلال علاقتنا بها. فالقيم لا تموت فجأة، لكنها تُهمَّش تدريجيا ً، تُزاح جانبا ً كلما تعارضت مع مصلحة عاجلة أو مكسب سريع، إلى أن تتحول من بوصلة سلوك إلى عبء ثقيل يحاول البعض التخلص منه.
في البداية؛ يُقابل الخطأ بالرفض أو الاستغراب، ثم ومع التكرار وغياب المحاسبة، يبدأ التبرير، فلا يعود الخطأ خطأ ً، بل “ظرفا ًعارضا ً” ، ولا يصبح التجاوز انحرافا ً، بل “تصرفا ً ذكيا ً ” .. وهنا تبدأ أخطر المراحل وهي شرعنة الخطأ.
الشرعنة لا تعني دائما ً قانونا ً مكتوبا ً، بل قبولا ً اجتماعيا ً صامتا ً.. حين يرى الناس أن الخطأ يمر بلا ثمن، وأن من يلتزم يُسخر منه أو يُتجاوز ليتغير الوعي الجمعي دون ضجيج، ومع الوقت، يتحول الخطأ إلى عُرف، ثم إلى نهج يُنصح باتباعه “حتى لا تضيع”.
في هذه المرحلة، لا يتغير السلوك فقط، بل تتبدل المفاهيم نفسها؛ فيوصف الحياء بالضعف، والصدق يُقدَّم كترف لا يحتمله الواقع، والأمانة تُختصر في “عدم الإمساك متلبسا ً”، لا في النزاهة الداخلية، أما الضمير، فيُطالَب بالصمت حتى لا “يعطّل المسيرة”.
وهكذا؛ لا يسقط المجتمع بسبب كثرة الأخطاء، بل بسبب التطبيع معها .. فحين يتكرر الخطأ بلا حساب، يفقد الإنسان حساسيته الأخلاقية، وما كان يوقظ الضمير بالأمس، يمر اليوم بلا إحساس، لا لأن الناس أصبحوا أشرارا ً، بل لأنهم اعتادوا.
ومع الاعتياد؛ تختفي المسافة بين الصواب والخطأ ويصبح السؤال: “هل هذا صحيح؟ أقل أهمية من: “هل هذا شائع؟”
وهنا تحديدا ً تبدأ القيم في الانسحاب من الحياة اليومية، وتبقى فقط في الخطب الرنانة والمناسبات.
الخروج من هذه الدائرة لا يكون بالصراخ ولا بالوعظ المجرد؛ بل يبدأ أولا ً بكسر الشرعنة ؛ بإعادة تسمية الأشياء بأسمائها دون تزييف .. ليظل الخطأ خطأ ً مهما كثر مبرروه، ومهما شاع بين الناس.
ثم يأتي العدل والمحاسبة، لا بروح العقاب الأعمى، بل بروح استعادة التوازن؛ فغياب الحساب لا يصنع حرية، بل يفتح الباب لفوضى أخلاقية تُرهق الجميع.
ويبقى الأساس كله في الضمير الفردي؛ ذلك الصوت الهادئ الذي لا يُصفق له أحد، لكنه يصنع الفارق.
حين يختار الإنسان أن يكون صادقا ً لأنه لا يقبل أن يخسر نفسه، لا لأنه يخشى العقوبة، تبدأ القيم في استعادة معناها.
فالقيم لا تحتاج إلى من يدافع عنها بالكلام، بل إلى من يعيشها بالفعل.
إن الخطر الحقيقي ليس أن نُخطئ؛ بل أن نُقنع أنفسنا أن الخطأ أصبح عُرفا ً ؛؛ وأن العُرف لا يُناقَش.










