ينكبّ العالم اليوم على “انفجار معلوماتي” غير مسبوق؛ حيث أطلقت وزارة العدل الأمريكية سيلًا من الملفات عبر منصة رقمية مخصصة ($Justice.gov/Epstein$)، تضم 3 ملايين وثيقة، و180 ألف صورة، و2000 مقطع فيديو. هذا التدفق الهائل حوّل أجهزة الحاسوب لدى الصحفيين والمشرعين إلى ساحات تنقيب استخباراتي، بحثًا عن الحقيقة في واحدة من أحلك القضايا في التاريخ الأمريكي المعاصر.
لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد ملف جنائي لتاجر بشر، بل كانت زلزالاً ضرب أركان النخبة العالمية، كاشفاً عن “ثقب أسود” يمتزج فيه المال السياسي بالاستغلال الجنسي، وصولاً إلى أحدث التسريبات التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية في فبراير 2026، والتي تضم 3 ملايين وثيقة، و2000 مقطع فيديو، و180 ألف صورة.
النشأة والنفوذ: من التدريس إلى صالونات الكبار
ولد جيفري إبستين عام 1953 في نيويورك، وبدأ حياته مدرساً قبل أن يقتحم عالم الاستثمار المصرفي.
وبنى إبستين ثروته الغامضة ونفوذه عبر التقرب من الشخصيات الأكثر تأثيراً في العالم. وامتلك عقارات فارهة في مانهاتن، فلوريدا، نيو مكسيكو، بالإضافة إلى جزيرته الخاصة “ليتل سانت جيمس” في البحر الكاريبي، التي عُرفت لاحقاً بـ “جزيرة البيدوفيليا”.
غيلاين ماكسويل: “الذراع اليمنى” والمهندسة
ارتبط إبستين بالبريطانية غيلاين ماكسويل (ابنة إمبراطور الإعلام روبرت ماكسويل). لم تكن مجرد صديقة، بل كانت “المديرة” التي تجند الفتيات القاصرات (بين 13 و17 عاماً) وتدير شبكة “خدمات التدليك” التي تحولت لاحقاً إلى عبودية جنسية.
وتكشف الوثائق الأخيرة أنها استخدمت طائرات هليكوبتر خاصة أطلقت عليها “Air Ghislaine” لنقل الضحايا.
التسلسل القضائي: الإفلات ثم السقوط
-
2005 – 2008: بدأت التحقيقات في فلوريدا، لكن إبستين عقد “صفقة سرية” مثيرة للجدل مع المدعي العام آنذاك ألكسندر أكوستا، أدت لحبسه 13 شهراً فقط مع امتيازات خاصة.
-
2019: أعيد فتح القضية واعتقل إبستين في نيوجيرسي. وفي أغسطس من العام نفسه، عُثر عليه ميتاً في زنزانته بنيويورك. ورغم إعلان السلطات انتحاره، لا تزال الشكوك تحوم حول تصفيته لحماية “رؤوس كبيرة”.
-
2021 – 2022: أُدينت غيلاين ماكسويل وحُكم عليها بالسجن 20 عاماً بتهمة الاتجار بالجنس.
زلزال وثائق 2026: حقائق صادمة تحت المجهر
كشفت الوثائق التي أفرجت عنها إدارة ترمب مؤخراً عن تفاصيل مذهلة تورطت فيها أسماء رنانة:
-
بيل غيتس: واجه ادعاءات بمحاولة إخفاء مرض منقول جنسياً عن زوجته السابقة ميليندا عقب علاقات مزعومة مع فتيات روسيات، وهو ما نفاه المتحدث باسمه بشدة واصفاً إياها بـ “السخيفة”.
-
الأمير أندرو: تسربت صور تظهره في أوضاع مخلة مع نساء مجهولات، ورسائل تظهر طلبه من طليقته سارة فيرغسون الدفاع عن إبستين. وقد دعا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الأمير للاستعداد للشهادة أمام الكونغرس.
-
إيلون ماسك: أظهرت المراسلات استفساره من إبستين عن “أضخم حفلة” على الجزيرة في 2012، دون تأكيد وقوع الزيارة.
-
إيهود باراك والموساد: ورد اسم الاستخبارات الإسرائيلية في مراسلات بين إبستين ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، حيث طلب إبستين من باراك توضيح أنه لا يعمل لصالح “الموساد”، وسط ادعاءات من ضباط استخبارات سابقين بأن إبستين كان “عميلاً لجمع معلومات لابتزاز السياسيين”.
-
دونالد ترمب: تضمنت الوثائق ادعاءات ضده وصفها مكتب التحقيقات الفيدرالي بأنها “لا أساس لها”، مشيراً إلى أن علاقته بإبستين انقطعت قبل سنوات من الفضيحة.
-
ستيف بانون وهوار لوتنيك: كشفت الوثائق عن مراسلات ودية وعروض طيران خاصة ونصائح سياسية متبادلة مع إبستين حتى قبل أشهر من وفاته.
“مسرحية” الوفاة وحيل السجن
كشفت السجلات المسربة عن “خدعة” استخدمها موظفو السجن أثناء إخراج جثمان إبستين؛ حيث استخدموا صناديق وملاءات لتشكيل “جثمان وهمي” وضعوه في شاحنة بيضاء لتضليل الإعلام، بينما نُقل الجثمان الحقيقي في مركبة سوداء سلكت طريقاً آخر.
6. صرخة الضحايا: العدالة “المنقوصة”
رغم نشر ملايين الوثائق، عبرت 18 من ضحايا إبستين (وعلى رأسهن الراحلة فرجينيا جوفري التي انتحرت في أبريل 2025) عن غضبهن؛ لأن التنقيحات والحذف في الوثائق لا تزال تحمي أسماء “الرجال النافذين” الذين شاركوا في الاعتداءات، بينما يتم الكشف عن تفاصيل الضحايا وحدهن.
القضية لن تموت
تؤكد الوثائق أن جيفري إبستين لم يكن مجرد مجرم جنسي، بل كان “عقدة مواصلات” تربط بين الاستخبارات، والسياسة، والمال. ورغم إعلان وزارة العدل إغلاق ملف الإفصاحات، إلا أن حجم المعلومات المسربة يفتح الباب أمام ملاحقات قضائية دولية قد تطال ملوكاً ورؤساء وعباقرة تكنولوجيا.
معركة “مربع البحث”: ملاحقة اسم الرئيس
رغم وعورة التنقل في الموقع الإلكتروني، إلا أن “مربع البحث” كان البوصلة التي وجهت آلاف المتصفحين نحو اسم الرئيس دونالد ترمب. وبينما تضم آلاف الوثائق قصاصات إخبارية مكررة، برزت مذكرة من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) مكونة من 6 صفحات، أثارت عاصفة من الجدل؛ لاحتوائها على بلاغات “غير مؤكدة” تزعم تورط ترمب في جرائم جنسية.
وزارة العدل سارعت لوصف هذه الادعاءات بأنها “لا أساس لها وكاذبة”، مشيرة إلى أنها قُدمت قبيل انتخابات 2020 لأغراض سياسية. ومع ذلك، تسبب تعطل رابط هذه المذكرة لفترة وجيزة في موجة من نظريات المؤامرة، مما دفع النشطاء لإعادة رفعها على منصات بديلة، في مشهد يعكس انعدام الثقة الشعبي.
رسائل “بيل غيتس” والهروب من الشهادة
كشفت الملفات عن جانب مظلم في علاقة إبستين بقطب التكنولوجيا بيل غيتس؛ حيث عُثر على رسائل إلكترونية من عام 2013 يزعم فيها إبستين أنه ساعد غيتس في علاقات خارج إطار الزواج، معبرًا عن سخطه من محاولة غيتس “التخلص” من صداقتهما بعد أن طلب منه الأخير أمورًا وصفها إبستين بأنها “غير قانونية”. وفي المقابل، وصفت مؤسسة غيتس هذه الادعاءات بأنها “سخيفة وصادرة عن كاذب مُثبت”.
كما طالت الشظايا أسماءً أخرى:
-
بيل وهيلاري كلينتون: ظهرا في بلاغات غير مؤكدة، وقد رفضا رسمياً الإدلاء بشهادتهما أمام لجنة الرقابة بمجلس النواب.
-
إيلون ماسك: رُصدت مراسلات بريد ودية بينه وبين إبستين.
-
كيفن وارش: مرشح ترمب المفضل لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، الذي ورد ذكره في سياقات تنظيمية.
تقلبات ترمب: من “الشفافية المطلقة” إلى “الاستخفاف العلني”
يرى مراقبون أن المسار الذي سلكته هذه الوثائق كان “ملتفاً” ومثيراً للريبة؛ فبعد أن وعد ترمب في سبتمبر 2024 بالإفراج الكامل عن الملفات، وتوزيعه مجلدات “المرحلة الأولى” على مؤثري (MAGA)، انكسرت هذه الوعود في يوليو الماضي عندما أعلن الـ (FBI) توقفه عن الإفراج عن المزيد.
هذا التحول المفاجئ، الذي تزامن مع تقارير تفيد بعلم ترمب بذكر اسمه في الملفات، أدى إلى انقسامات داخل معسكره، بل وساهم في استقالة حليفته “مارجوري تايلور غرين”. لكن ضغط الكونغرس وتشريعاته الصارمة أجبرت الإدارة في النهاية على إطلاق هذا السيل من الوثائق بعد تجاوز الموعد النهائي.
استقلالية مشوبة بالحذر
أكد نائب المدعي العام “تود بلانش” أن البيت الأبيض لم يمارس أي إشراف على عملية التدقيق، مشدداً على أن الأسماء البارزة لم تُحجب، وأن الحذف اقتصر على حماية الضحايا. ومع ذلك، فإن “الحياد الشديد” في صياغة بيانات وزارة العدل لم يفلح في تهدئة الغضب الشعبي، خاصة مع تكرار الفشل التقني للموقع الذي يراه البعض محاولة “خفية” لعرقلة الوصول للحقيقة.
الخلاصة: إن القضية التي حاول الجميع إغلاقها بوفاة إبستين في زنزانته عام 2019، عادت لتفتح جروحاً سياسية غائرة. وسيظل الأمريكيون يقلبون هذه الملايين من الصفحات لوقت طويل، بحثاً عن إجابات في قصة يمتزج فيها الابتزاز بالسياسة، والضحايا بالنفوذ.












