يقولون إن أصعب أنواع الوجع هو الوجع الحلو، ذلك الذي يأتيك على هيئة ابتسامة دافئة لكنها تنتهي بدمعة حائرة، هذا بالضبط ما فعله بنا الكاتب الصحفي الكبير محمود عبد الرحمن في برنامجه “الدار القديمة”.
لم يقدم محمود مجرد برنامج يحكي عن جدران وبيوت، بل فتح علينا “صندوق الدنيا”، وجعلنا نضع أعيننا داخل عدسته لنرى حكاياتنا نحن، ونكتشف فجأة كيف سرقنا قطار العمر ونحن لا نشعر.

حين يتحدث محمود عبد الرحمن عن “الدار القديمة”، فهو لا يصف حجارة وأبوابًا، بل يلمس أرواحنا، يجعلك تشم رائحة “الطوب الني” المعجون بالطين والقش، المدهون بـ “الجير” الأبيض الذي كان يستر بيوتًا عامرة بالرضا، تلك الجدران لم تكن صامتة، بل كانت “دفا” وحضنًا يتسع للكل.
كلمات محمود في البرنامج كانت تشبه “جرعة بيانولا” في حلاوتها، تذوب في القلب وتعيدنا لزمن كانت فيه المشاعر هي العملة الوحيدة المتداولة.

الجميل والمؤلم في “الدار القديمة” أنها أيقظت فينا حنينًا لكل طعم قديم، رائحة الفجر زمان التي كانت تملأ الصدور باليقين، ورائحة المغربية “الرايقة” التي كانت تجمعنا حول طبلية واحدة.. روائح تختلف تمامًا عن روائح أيامنا هذه.
زمان، كان للدار طعم، وللكلمة طعم، وللضحكة طعم، أما الآن، فرغم الحداثة والتطور والبيوت الفارهة، نشعر أحيانًا أن كل شيء أصبح “بدون طعم” وبدون مشاعر، مجرد جدران باردة لا تعرف حكايات الساكنين فيها.
في كل حلقة، نجد أنفسنا أمام مرآة الماضي، نرى صورة الأب بهيبته، والأم بحنانها الذي كان يملأ أركان الدار برائحة الخبز والستر، والأخت التي تشبه بحر أسرارك، صورة كانت كفيلة وحدها بأن توقظ فينا “نوستالجيا” الحنين، وتجعلنا نتساءل: كيف تحولنا من تلك البساطة إلى هذا التعقيد؟ ومن كثرة السعادة الممزوجة بالشجن، تجد الدمعة فرت من عينك دون استئذان، دموع على عمر جرى وناس غابوا وأماكن لم يتبقَّ منها إلا الصدى.

الحقيقة، نحن في حيرة من أمرنا مع الكاتب محمود عبد الرحمن.. هل نشكره لأنه أعاد لنا “ريحة الحبايب” وأثبت لنا أننا ما زلنا نملك قلوبًا تنبض بالوفاء؟ أم نقول له “ربنا يسامحك” لأنك أوجعتنا بهذا الحنين القاسي، ونبشت في جراح ذكريات كنا نظن أننا طويناها؟
شكرًا لمحمود عبد الرحمن، لأنه جعلنا نتصالح مع دموعنا، ونعرف أن داخل كل واحد منا “دار قديمة” لن يسكن غيرها مهما بنى من قصور.








