لم يكن تصريح ترامب عن “جاهزية القوات الأمريكية لتكرار سيناريو فنزويلا في أي مكان في العالم” مجرد عبارة عابرة أو استعراض سياسي اعتاد عليه الرأي العام، بل جاء محمّلا بدلالات استراتيجية عميقة، تتجاوز حدود فنزويلا، وتمس طبيعة الصراع الدولي في مرحلته الراهنة.
ترامب لم يتحدث عن دولة بعينها بقدر ما تحدث عن نموذج لإخضاع الدول دون اجتياح بري، وإسقاط الإرادة قبل إسقاط الأنظمة، وتعطيل مفاصل الدولة دون إعلان حرب تقليدية، فما جرى في فنزويلا لم يكن مواجهة عسكرية مباشرة، بل مسارا متدرجا لإدارة الانهيار.
بدأ هذا المسار أولا بحصار اقتصادي وسياسي خانق، شُلّت معه قدرة الدولة على الحركة، وتآكلت مواردها، وجرى خنقها ماليا ً ودبلوماسيا حتى فقدت هامش المناورة. ومع طول أمد الحصار، لم يعد الضغط موجها للاقتصاد فحسب، بل للمجتمع ذاته.
تزامن ذلك مع تغذية الانقسام الداخلي، ودعم قوى معارضة، وتعميق الاستقطاب داخل المجتمع، بحيث تتحول الدولة إلى ساحة صراع داخلي قبل أن تكون هدفا خارجيا .
ومع تفاقم الضغوط، تصبح الدولة أضعف من أن تقاوم، والأخطر أن تفقد القيادة السياسية دعمها الشعبي، فتجد نفسها معزولة في الداخل قبل أن تُحاصر من الخارج.
بعدها فقط يأتي الانقضاض الخاطف بإحداث حالة شللّ للمنظومات الدفاعية، ثم تدخل جوي دقيق للسيطرة على السماء، وإرباك كامل لسلسلة القيادة.
في هذه المرحلة لا تكون المعركة مع جيش بقدر ما تكون مع زمن الدولة نفسه؛ زمن القرار، وزمن الرد، وزمن الفعل.
أما النهاية، فهي الأخطر عن طريق تحييد رأس السلطة سواء بالعزل، أو الأسر، أو الإخراج القسري من المشهد، بحيث تنهار البنية السياسية دفعة واحدة، وتصبح الدولة بلا رأس، حتى وإن بقي جسدها قائما .
هل يعني ذلك أن الشرق الأوسط هو الهدف القادم؟
ليس بالمعنى التقليدي المباشر) فالمنطقة أكثر تعقيدا وتشابكا من أن تُدار بنفس الأدوات، لما تحمله من توازنات دولية، وتشابك مصالح مع قوى كبرى كروسيا والصين، فضلا عن ثقلها الجيوسياسي .. لكن هذا لا ينفي أن الرسالة موجهة إليها أيضا ، لا كهدف عاجل، بل كتحذير استراتيجي واضح.
التحذير هنا موجّه للدول التي لا تمتلك تماسكا داخليا حقيقيا ، أو استقلالا فعليا في قرارها السيادي، أو منظومة ردع متكاملة ، و هذه الدول تصبح عرضة للضغط المتدرج، حيث لا تُسقط بالقوة الصلبة، بل تُستنزف حتى تتآكل من الداخل.
غير أن الاكتفاء بإعادة بناء العقد بين الدولة وشعوبها، رغم أهميته القصوى، لا يكفي وحده للاحتماء من هذا النموذج، حيث أن التماسك الداخلي يمنع الانهيار السريع، لكنه لا يوقف التدخل إذا توفرت له الشروط الخارجية، لذلك يصبح لزاما على دول المنطقة أن تتحرك بمنطق الوقاية الاستباقية، عبر تنويع شبكات الأمان الدولية، وبناء ردع غير متماثل، وتحسين حماية المجال الجوي والسيبراني والإعلامي، وتحويل الاقتصاد من نقطة ضغط إلى عنصر صمود.
الأخطر أن إدارة الزمن باتت عاملا حاسما في معادلة البقاء. فالدول التي تؤجّل الإصلاح، وتُراكم أزماتها، وتتعامل مع التهديدات بإنكار أو تسويف، لا تشتري الاستقرار، بل تكون بذلك قد منحت خصومها ما يحتاجونه.
في عالم اليوم، لم تعد الحروب تُعلن، بل تُدار في صمت، ولم يعد السقوط يبدأ من الحدود، بل من الداخل، ثم من الاقتصاد، ثم من السماء. وفنزويلا، في هذا السياق، لم تكن حالة استثنائية، بل تجربة تم اختبارها ورسالة تم تعميمها.











