يشهد الوفد يوم الجمعة القادم يوماً تاريخياً مفصلياً لانتخاب رئيس جديد لـ “البيت البيضاوي” الكائن بشارع بولس حنا بالدقي. يتبارى في الانتخابات قامتان كبيرتان؛ الأول هو الدكتور سيد البدوي، السياسي المحنك والوفدي حتى النخاع، والثاني هو الدكتور هاني سري الدين، الاقتصادي البارع. وبين الرجلين مسافات في الفكر والرؤية والإدارة واستشراف المستقبل لما يجب أن يكون عليه الحزب ومؤسساته، وإن كان كلاهما يمتلك كاريزما الإدارة وقوة الشخصية.
يدخل الدكتور البدوي الانتخابات بإرث سياسي عريض وتاريخ وفدي يحمله بين جنباته، وأنصار كُثر لا يستطيع أحد أن يغض الطرف عنهم، بينما يدخل الدكتور سري الدين الانتخابات بعمر زمني محدود لا يتخطى السنوات الثماني تقريباً داخل البيت البيضاوي؛ فلا تستطيع أن تصنفه كسياسي متمرس بظهير تاريخي عريض، ولكننا نستطيع أن ننعه بـ “الكاريزما الاقتصادية بنكهة سياسية”.
ولسنا بصدد تعداد مواصفات الرجلين، فكلاهما له ما له وعليه ما عليه، ولكن ما يهمنا هو “الوفد” كتاريخ عتيق غير قابل للمحو أو التقليل من شأنه. ما يهمنا هو عودة الوفد ولو لجزء من سابق عهده؛ يوم أن كان “فاعلاً” وليس “مفعولاً به”، يوم أن كان “مبنياً للمعلوم” وليس مجهولاً مكسوراً. إن عودة الوفد كسابق عهده شريكاً في رسم سياسات الدولة المصرية، ومعبراً عنها من خلال لجانه في المحافظات أو منابره الإعلامية، تتوقف على مدى وعي جمعيته العمومية، صاحبة الحق الأصيل في اختيار رئيس الحزب.
فعلى الجمعية العمومية تقع المسؤولية الكبرى والعبء الأكبر؛ لأنها ستكون السبب المباشر إما في بعث الوفد وإحيائه من جديد، أو أن يظل عليلاً محبوساً مكبلاً داخل كهفه الضيق، لا يسمع صدى صوته سوى أبنائه وإن علا ضجيجهم واشتد تناحرهم. لقد مر الوفد بسنوات عجاف خلال العقدين الماضيين، وتراجع بشدة على كافة المستويات، وأصبح الحزب ومؤسساته الإعلامية في حالة يرثى لها لأسباب متباينة، من بينها أن “غرباء” ليسوا بوفديين اخترقوا الحزب، لا حباً فيه ولا إيماناً بمبادئه، بل تحقيقاً لمصالح شخصية بحتة، وهو ما ساهم في إضعافه؛ فما يميز الوفد عن أقرانه هو أن من ينتمي إليه يكون وفدياً بالجينات الفطرية، أو بالعشق المكتسب من الأجداد والآباء.
لقد حدثت خلال العقدين الأخيرين تحولات أيديولوجية واجتماعية وسياسية كثيرة، واختلفت التوجهات والأجندات، ولهذا بات النظر إلى واقع ومستقبل الوفد أمراً حتمياً من الرئيس القادم. وإن أراد الوفديون أن يُبعث وفدهم من مرقده مرة أخرى، فعليهم أن يكفوا عن تصفية الحسابات والمصالح، وأن يمتنعوا عن تصنيف بعضهم البعض، وأن يصمتوا قليلاً ويعملوا كثيراً لصالح الوفد. عليهم أن يكفوا عن التخوين والتشكيك، وأن يعكفوا على أن تكون قضية “حزب الوفد” هي قضيتهم المصيرية والأساسية؛ فالوفد لا يليق به هذا الوضع المزري والواقع المضني، وهو الحزب الذي كان ملء السمع والبصر قبل أن يتوارى وينزوي بعيداً.











