منذ أن بدأت ملامح الوعي تتشكل في عقلي، ومنذ أن استيقظت على ضجيج هذا العالم، وأنا أطرح سؤالًا يزداد إلحاحًا على عقلي ونفسي مع كل عمرٍ يمر: متى يرضى الناس؟ وما الذي يرضيهم؟..
ولازلت أمضي في رحلتي للبحث عن إجابة هذا السؤال الذي يبدو بسيطًا في شكله، لكنه استنزف عمرًا بأكمله.. لكن مع تقدم سنواتي، وجدتني أقف أمام حقيقة مُرهقة، وهي أن إرضاء البشر غاية تفوق في صعوبتها إدراك المستحيل ذاته.
لقد مضيت في العمر ما مضيت، وما زلت أقف مذهولاً أمام تلك القدرة الفائقة لدى البعض على تحويل الاختلاف الفطري إلى خلاف صدامي وبسرعة البرق، وكأن هناك من يتربص بجمال التنوع ليحيله إلى ساحة حرب.
فجأة، يتبدد الود، ويغيب الاحترام، وتتحول الحرية من قيمة تمنحنا أجنحة، إلى أداة تُستخدم للنهش في الأرواح والسمعة. بتنا نرى من يطعن في الآخرين باسم حرية التعبير، وكأن الحق في القول يمنحنا الحق في الأذى، وآخرون يتعاملون مع التجاوز على أنه خفة ظل، ألهذا الحد؟، وأحدهم يرى في ذلك قوة وبطش شديد “صاحب شخصية وكاريزما”.. والبعض يراها فهلوة ودهاء.
في الحقيقة، يؤلمني هذا، ولربما لأن البعض منهم قد أمنحه حق قدسية الاحترام، وكأنه مثل أعلى، اتغذى من مروءته التي قد اكتشف بعدها أنها مروءة مزيفة، مع أول خطوة من خطوات المصلحة، فوجدت منهم من يبنى القناعات على رمال “قالوا لي”، ويُصدق المرء رواية لمجرد أن قائلها يدعي الثقة – كما كنت أنا في بعض الأوقات.
رأيت في طريقي من يقسمون بأقدس الأيمان حول أمور هي في جوهرها ظنون، فتتحول القصص المؤلفة، بمرور ليلة واحدة، إلى مُسلمات راسخة في عقول الناس.
لقد شاهدت مواقف بعيني، لم ينكرها أصحابها أنفسهم، ومع ذلك رأيت كيف يتم تزييفها ونسبها لغيرهم، لتصبح في اليوم التالي حقائق لا تقبل الجدال… لا أعرف لماذا نختار الطريق الأسهل في التصديق، ونترك الطريق الأنبل في التثبت والتدقيق الذي بات عامًا يُدرس الآن.
ومع تسارع إيقاع الحياة، ظهر من يحملون في جيوبهم “صكوكًا” للنعوت والصفات. هؤلاء الذين يعتقدون أن من حقهم تعريف للآخرين، فأنت لست كما أنت، بل كما يرسمونك هم، فلن تنال شرف صفة طيبة ما لم يمنحوك إياها، ولن تكون في نظرهم صالحًا إلا إذا وافقت أهواءهم… وكأن كرامة الإنسان أصبحت هبة تُمنح من بشر لمجرد الرضا، وليست حقًا أصيلًا لصاحبها.
أكثر ما يحزنني هو ضيق الأفق الذي يلخص الحياة في معادلة: “إن لم تكن معي فأنت ضدي”.. هذا المنطق الذي لا يخاصم العقل فحسب، بل يخاصم الإنسانية في أعمق صورها، فليس بالضرورة أن أقف في الخندق المواجه لك لمجرد أنني اخترت طريقًا مختلفًا، لكن الأحرى بنا أن نحترم حق القرار والاختيار، ما دامت هذه الاختيارات لا تكسر قانونًا، ولا تخالف عقيدة، ولا تهدم دستورًا.
الصدق يقتضي منا أن نحترم مساحات الآخرين، أو على الأقل ألا نتحدث بمصطلحات الحرية ونحن نمارس أقصى أنواع القيود المعنوية، ولا تقول لي أن المنافسة حرب كل شيء مشروع ومباح فيها، فلا مشروع إلا ما شرعه الله ورسوله، ولا مباح خارج الإطار القانوني والدستوري والحدود.
وبينما أسطر هذه الكلمات بمداد من هدوءٍ حزين، أجدني أقول لنفسي: إن هذا العالم مُتعب حقًا، ولا أدري إلى متى سيظل يرهقنا بهذا الركض خلف السراب.. ولكنني سأظل أؤمن بأن في الهدوء، وفي احترام الاختلاف، تكمن بقايا إنسانيتنا التي لا يجب أن نفقدها بين “إن لم تكن معي.. ومتى سيرضى الناس؟”.








