حين تكون الكلمة أحنّ من الحقيقة، وحين نطلب أحيانا الكلام الذي نحتاجه .. لا الذي نستحقه، تظهر تلك المسافة المربكة بين الكلمة كاحتياج إنساني، والكلمة كخديعة عاطفية.
في أحد أكثر مقاطع الغناء العربي صدقا وجرأة ، يُغنّي عبد الحليم حافظ كلمات الشاعر الكبير مأمون الشناوي في أغنية أنا لك على طول:“ابعتلي سلام، قول أي كلام من قلبك .. أو من ورا قلبك”.
وهنا لا يمنح الشاعر الكذب غطاءا أخلاقيا ، ولا يُمجّد الزيف، بل يضع يده بهدوء على حقيقة إنسانية دقيقة ؛ أن الإنسان، في لحظات ضعفه، قد يحتاج الكلمة قبل أن يحتمل الحقيقة.
فنحن لا نطلب الكلمة دائما لأنها صادقة، بل لأنها أحنّ.
لا ننتظرها لتُغيّر الواقع، بل لتُخفّف وطأته، ولو قليلا ، ولو مؤقتا .
وهنا تبدأ المنطقة الرمادية.
الكلمة الرقيقة قد تكون حنانا حقيقيا ، وقد تكون جسرا نعبر به لحظة قاسية، وقد تكون أيضا خدعة ناعمة لا نكتشفها إلا بعد أن نتعلّق بها.
المشكلة لا تكمن في أن نقول كلمة أقل عمقا مما نشعر، بل في أن نُقيم علاقة كاملة على كلمات لا نملك نية تحمّل مسؤوليتها.
هناك كلمات تُقال بدافع الطيبة، لا بقصد الخداع، تُقال لأن القلب أراد أن يُطمئن قلبا آخر، حتى إن لم يكن مستعدا لكل ما بعدها.
وهناك كلمات أخرى تُقال بلا نية، ثم تتكرر، ثم تتحول مع الوقت من دفء إنساني إلى دين عاطفي.
والفارق بين الحالتين ليس في جمال العبارة، بل في ما يليها.
فالكلمة التي تُقال مرة بدافع الاحتياج الإنساني قد تُفهم، وقد تُقدَّر، وقد تُغتفر.
أما الكلمة التي تتكرر بلا فعل، وبلا استعداد لتحمّل تبعاتها،
فهي التي تقتل الثقة، لا ضعف صدقها الأول.
نحن أحيانا لا نطلب الحقيقة كاملة، لأن الحقيقة قاسية،
ثقيلة، وتحتاج شجاعة فنطلب بدلا ً منها كلمة لطيفة، حتى لو شككنا في صدقها، لأنها أقل إيلاما ً.
وهنا لا يكون السؤال:
هل الكلمة صادقة أم لا؟
بل السؤال الأعمق:
هل نعرف لماذا نطلبها؟
وهل نعرف إلى أي مدى يمكن أن نُصدّقها؟
الفرق بين الرومانسية والخداع
ليس في الكلمة، بل في الاستمرار بها دون فعل.
فالكلمة التي لا يدعمها سلوك
تتحول مع الوقت من طمأنينة
إلى شك، ومن وعد إلى عبء.
وربما كان مأمون الشناوي أكثر صدقا منا جميعا ، حين لم يقل: من قلبك فقط ! .. بل ترك الاحتمال مفتوحا :
“من قلبك .. أو من ورا قلبك”.
كأنه يقول لنا بهدوء الحكيم:
اعرف ما تطلبه، واعرف ثمنه، ولا تُحمّل الكلمة أكثر مما تحتمل.
فبعض الكلمات تُقال لنحيا بها لحظة، لا لنبني عليها عمرا .
والحكمة ليست في رفضها، ولا في تقديسها، بل في الوعي بها.









