ليست المشكلة في المال ؛ فالمال في جوهره أداة بناء وحركة، ووسيلة توسع وفرص. لكن الخطر يبدأ حين يتحول من وسيلة إلى معيار قيمة، ومن أداة إلى سلطة نفسية تمنح صاحبها شعوراً زائفا ً بالتفوق على الآخرين.
عند هذه اللحظة لا يتغير الرصيد البنكي فقط، بل تتبدل البوصلة الأخلاقية إن لم تكن راسخة من الأصل.
الإنسان لا يسقط فجأة، ولا يتحول بين يوم وليلة من سلوك متزن إلى عدواني. السقوط الأخلاقي عملية تدريجية تبدأ بإحساس مشروع بالنجاح والاستحقاق، ثم يتسلل إليه شعور خفي بأنه “أفضل”، ثم يتآكل الفارق بين الثقة بالنفس والتعالي على الناس. ومع كل موقف يمر دون محاسبة، يتضخم هذا الشعور حتى يبدأ صاحبه في اختبار حدود سلطته على من هم أضعف منه.
وحين نرى واقعة اعتداء من صاحب مال أو نفوذ على فرد بسيط يؤدي عمله، فنحن لا نرى لحظة غضب عابرة، بل نتيجة مسار داخلي طويل. فالاعتداء لا يكون على الأقوى لأنه مكلف، أما الاعتداء على الأضعف فيمنح شعورا ً سريعا ً بالقوة دون مخاطرة !.. إنها معادلة نفسية واضحة: ضعف داخلي يبحث عن تعويض، ومال يمنح شعورا ً بالحصانة، وغياب ردع فوري يشجع على التمادي.
الشخص المتوازن لا يحتاج إلى إذلال أحد كي يشعر بقيمته .. فمن يملك قوة حقيقية يملك معها القدرة على ضبطها، أما من يُفرِغ غضبه في من لا يستطيع الرد، فهو يكشف هشاشته قبل أن يكشف سطوته.
المشكلة ليست في وجود شخص “منحرف” هنا أو هناك، فكل مجتمع يضم نماذج سلبية، إنما الخطورة تكمن في شعور البعض أن المال يمنحهم حصانة اجتماعية، أو أن النفوذ يضعهم فوق القانون، وحين يتأخر الردع أو يُفهم الصمت على أنه ضعف، يتحول السلوك المنحرف إلى عادة، وتتحول الوقاحة إلى نمط.
وهنا لا يكفي الاستنكار، بل يجب أن يكون الردع القانوني واضحاً وحاسما ً، لا بدافع الانتقام، بل حفاظا ً على هيبة الدولة ورسالة القانون، فكلما كانت العقوبة عادلة وسريعة وغير انتقائية، انكمش شعور الحصانة، وتراجع الوهم بأن المال يمكن أن يكون درعا ً ضد المحاسبة.
إن تشديد العقوبة في حالات الاستقواء والعنف ضد الضعفاء ليس تشفيا ً، بل رسالة ردع تحمي المجتمع بأسره.
غير أن القانون، مهما كان صارما ً، لا يعالج الجذور وحده .. فالتربية تبدأ من البيت ؛؛ في الطريقة التي يُربّى بها الطفل على احترام من هم أقل منه قوة أو سلطة، وفي تعليمه أن العامل البسيط ليس أقل قيمة، وأن الإنسان يُقاس بسلوكه لا بما يملك.
حين تُزرع في النفس منذ الصغر فكرة أن الكرامة متبادلة، وأن القوة مسؤولية لا امتياز، يصبح المال نعمة لا أداة استقواء.
فالأب “الغير متزن” الذي يبرر لابنه التعالي، أو يصمت عن قسوته بدعوى أنها “شخصية قوية”، إنما يزرع بذرة سلوك قد ينفجر يوما ً في وجه المجتمع، وكذاك المدرسة التي لا تغرس الاحترام، والإعلام الذي يُلمّع صورة المتغطرس، كلها حلقات في السلسلة نفسها.
القوة الحقيقية ليست في القدرة على كسر الآخر، بل في القدرة على كبح النفس حين تملك أسباب البطش. وحين تتكامل الأسرة الواعية مع القانون العادل، يضيق المجال أمام “الرعاع” ، لأن البيئة لم تعد تسمح لهم بالتمدد.
المال لا يُفسد من كان مستقيما ً ؛؛ لكنه يكشف من كان يخفي فراغا ً أخلاقيا ً ينتظر لحظة الظهور. والمجتمع الراقي لا يُقاس بخلوه من الخطأ، بل بسرعة عزله للخطأ، وعدم السماح له بأن يصبح نموذجا ً يُبرر أو سلوكا ً يُعاد إنتاجه.








