صحاب الأرض.. في الحروب الكبرى، لا تسقط القذائف على البنايات والمستشفيات فحسب، بل تستهدف الوعي والذاكرة والرواية. وإذا كانت الصواريخ تهدم الجدران، فإن “السردية” هي التي تهدم المعنى أو تعيد بناءه.
من هنا، يبرز مسلسل «صحاب الأرض» في موسم دراما رمضان 2026، ليس كعمل فني عابر، بل كبيان بصري حاد، وقذيفة درامية اخترقت جدار الصمت العالمي لتضع الجميع أمام السؤال الوجودي: مَن يملك الحكاية؟
من “البطل الأسطورة” إلى “الشعب الأسطورة”
لقد تجاوز «صحاب الأرض» إرث الثمانينيات الكلاسيكي؛ فإذا كان «رأفت الهجان» و«جمعة الشوان» قد صنعا أساطير الفرد البطل في زمن المعارك الاستخباراتية، فإن هذا العمل يعلن عصر “البطولة الجماعية”.
هنا، البطل ليس جاسوساً خارقاً، بل هو الطبيبة المصرية (منة شلبي) والمواطن الفلسطيني (إياد نصار)، والطفل الذي يكتب اسمه على جدران الآيلة للسقوط.
البطولة في «صحاب الأرض» هي صمود الأم، وعناد الطبيب، وأنين الجدران المهدّمة؛ إنها ملحمة تحول “الضحية” من مجرد رقم في نشرات الأخبار إلى وجه واسم وقصة وحياة.
سحق “البروتوكولات” بالواقع المحروق
بينما غاصت أعمال سابقة مثل «فارس بلا جواد» في صراع النصوص والبروتوكولات التاريخية، يختار «صحاب الأرض» الاشتباك مع “اللحظة الراهنة”. المعركة هنا ليست فوق الورق، بل فوق الأرض المحترقة.
-
اللغة البصرية: اعتمد المخرج لقطات الـ «Close up» الخانقة، ليجبر المشاهد على قراءة الحرب داخل عيون الأطفال، ملغياً أي “فاصل آمن” بين المتلقي والألم.
-
الرموز: تحول “كلاكس” السيارات وصوت الكتابة على الأنقاض إلى رموز للمقاومة الجمالية التي أربكت حسابات الاحتلال.
لماذا ارتعدت “أيلا” وجيشها؟
لم يكن هجوم الإعلام العبري والمتحدثة باسم جيش الاحتلال على المسلسل مجرد “نقد فني”، بل كان اعترافاً بالهزيمة أمام “القوة الناعمة” المصرية. يخافون من الدراما لأن الخبر يمر، لكن المشهد يخلد. يخافون لأن المسلسل لم يطرح “جدلاً عقيماً” مع روايتهم المكذوبة، بل تجاوزها بعرض الحقيقة عارية “بدون بكسلة”.
إن وجع الاحتلال من هذا العمل ينبع من قدرته على:
-
تثبيت رواية بديلة في وعي ملايين الشباب العربي والعالمي.
-
تفكيك محاولات “أنسنة” القاتل عبر كشف بشاعة الفعل وتفاصيل النزيف.
-
التأكيد على أن قضية فلسطين لا تموت في الوجدان المصري، بل تتجدد كفعل مقاوم.
الدراما كجسر.. ومنة شلبي “ضمير الطبيب”
جسدت منة شلبي دور الطبيبة المصرية باقتدار، لتكون “الجسر الإنساني” الذي يربط وجع القاهرة بدمار غزة، في علاقة حب نبتت وسط الركام، لتثبت أن الحياة تُنتزع من قلب الموت. المسلسل لم يقدم معارك عسكرية، بل قدم “الزمن النفسي للحرب”، وهو أقصر طريق لضمير العالم الذي لا تحركه الخطابات السياسية الباردة.
الحكاية لا تموت
«صحاب الأرض» ليس مجرد مسلسل رمضاني، بل هو صرخة في وجه النسيان، وحلقة جديدة في سلسلة تقاطع الفن المصري مع الحق الفلسطيني. الدرس الأهم الذي لقنه صناع العمل للعالم هو: «ما دام هناك مَن يروي الحكاية بصدق، فلن تُمحى أبد الدهر».
إن الصورة الذهنية أخطر من الرصاصة، وفي «صحاب الأرض»، كانت الصورة هي المنتصر الوحيد.











