“لعن الله النت والنتيت واللي عينتّوا عليه!”.. لا أنطق بذلك دعابةً فقط، بل لأن ما بدأ كاختراع نبيل لتحسين حياة الناس صار سلاحًا ذا حدين يجرنا أحيانًا إلى متاهات لا يُحمد عقباها.
تذكروا معي ألفريد نوبل، هذا المخترع العظيم الذي قدم لنا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر اخترع الديناميت ليقوّي البناء ويُسهِم في التعدين، وحقق ثروة لم يحلم بها، لكنه انكسر حين استُخدمت اختراعاته لتدمير البشرية وقتل النفس وإفشاء الحروب بين الشعوب.
هذا الشعور الذي يصنع غصة في الحلق، ويولد إحساسًا صعبًا بالذنب، دفعه ليخصص معظم ما ترك من مال لتأسيس جائزة تُكرّم من خدموا البشرية، هي جائزة نوبل الشهيرة، التي جاءت تعويضا على للنظم، ورد اعتبار للعلم والخير، ألفريد نوبل الذي عاش حياة قاسية وصلت إلى أنه قرأ عن نفسه نعيًا كُتب بالخطأ في إحدى الصحف عام 1888، وصفه بـ”تاجر الموت” بسبب اختراعاته المدمرة، وهو الذي كان يعمل من أجل البشرية، فقتلوه حيًا بفعلتهم الإجرامية وتحويل اختراعه لسلاح يقتلون ويدمرون به فيقتلوه هو كل مرة وليست مرة واحدة..
وعوضًا عن ذلك، وتكفيرًا لهذا الذنب الذي لم يقترفه، أراد “نوبل” أن يترك اسمًا طيّبًا وإرثًا ينفع الناس، فوضع أساسًا لجوائز في الفيزياء والكيمياء والطب والأدب والسلام، جائزة مكافأة للأعمال التي تقدّم أعظم منفعة للبشرية.
ومثلما تحوّل الديناميت من أداة بناء إلى أداة تدمير، كذلك الإنترنت تحوّل من وسيلة تواصل إلى ساحات قوة وتأثير.
بدأت شبكات الإنترنت عام 1969 عبر شبكة بحثية تحويلية مولّتها وزارة الدفاع الأمريكية تحت مسمى “اربينت”، ثم تطورت شبكات الويب في 1989، وظهرت بعدها وسائل التواصل الاجتماعي مطلع الألفية مع منصات مثل فيسبوك 2004، فتغيّر شكل التواصل البشري جذريًا بتقنية ربطت العالم وحولته لقرية صغيرة، يسيرة التواصل والاتصال عبر تطبيقات ومنصات تسمح للناس بالتفاعل ونشر المحتوى فورًا.
البدايات كانت جميلة كما يقولون، لكن مع الزمن تحوّل هذا الفضاء إلى سلاح خطير يفتك بشعوب ويهدم مستقبلًا، يقوّض هويات وثقافات ويزرع الكذب والتضليل والفوضى والفتن.
وجاء حادث ميناء دمياط ليكشف كيف أن روايات متضاربة تنتشر فورًا، كفريق يتهم الإعلام بالتضليل، وآخر يشكو عجزه، ومؤيدون يطلبون مصادر موثوقة، ومن بعيد يمرّ ضعيف الضمير يحرك أصابعه لاستغلال كل فرصة تعزز شروره.
ورغم أنني أؤمن إيمانًا راسخًا بأن الحقيقة وسرعة إطلاع الجمهور عليها أقصر طريق لقطع دابر المتربصين. لكن الأمن القومي يظل الرقم الواحد في الحسابات.. فالتأني أو تأخر نشر بعض المعلومات أو حجب جزئي أو كلي للحقيقة قد يكون ضروريًا حين يتعلق الأمر بأمن الأوطان والشعوب، هنا تتقدم الحكمة في الموازنة بين الشفافية والمسؤولية على أي شيء.
فليس كل وقت وقت تحليل ونقاش، قد نعرف وربما لا نعرف، وقد تكون تقديراتنا صحيحة أو خاطئة، لكن الأكيد أن هناك أمور من الأفضل عدم الإفصاح عنها لأنها قد تضر بالأمن القومي أو تُستغَل من العدو… ولا أظن أبدًا أن قد يتعارض مع واجب التفكير والتدبّر الذي أمرنا به ربّنا، بل هو تطبيق لواقعٍ عملي يحمي الوطن من عالم الأبالسة وتربص الشياطين من حولنا الذين يحاولون جرّنا إلى حفرة جهنم التي سقط فيها الكثيرون حولنا.
لو أردنا أن نحب الوطن بحق، فعلينا أن نكون أمناء عليه نُفضّل السلامة على الشهرة، ونُقَيّم المصلحة العامة قبل مصلحتنا الشخصية، نعقلها خير من الثرثرة.. فهناك من يلاعبوننا في الداخل والخارج، يقدمون مغريات ويستفزون ليخلخلوا الصفوف، ومن ثم على الإعلام والمواطن والمراكز المسؤولة أن يتحلّوا بالمسؤولية، فالتنسيق في النشر، ودقّة المعلومات، وسرعة التحقق هي أدوات تقطع الطريق أمام العابثين.
في النهاية، كل ما أطلبه، وببساطة، هو قليل من الحكمة، قليل من الصبر، وقليل من الصراحة المسؤولة… فبهذا تُحفظ بلادنا وتستمر أرواح ومقدرات الناس دون أن نمنح الفرصة لمن يريد هدمها بسلاح عبيط – لكنه مؤثر وخطير وفتاك – كسلاح السوشيال والانترنت وتطبيقات التواصل الاجتماعي وما شبه.











