عيب اختشي.. كانت جدتي تنطق بها بلهجتها الحادة إن صدر مني فعلًا ما لا يصح ولا يجب فعله، فيرتعد قلبي وترتعش ركبتي، حتى وإن كنت لا أعلم ما العيب في فعلتي أو لا أفهمه، المهم أن جدتي نظرت بعين حادة وعنفني لسانها من بين شفتيها قائلة: عيب اختشي!
كبرت شيئًا فشيء، وعرفت أن الخشا تعبيرًا يجب أن يكون إذا كان الأمر جارحًا مشينًا ينتقص من الرجولة والحياء والأدب والقيم والأخلاق، لكن بدأت أن اسمع: اللي اختشوا ماتوا!، فمن هم إذًا؟، ولماذا ماتوا عندما اختشوا؟، أليس ذلك من الحياء ومن شيم الطيبين أصحاب الخلق الرفيع الذين نفروا من فعل خاطىء؟، أم أصبح الاحتشام عيبًا أو جُرمًا عقابه الموت؟..
ذهبت أفتش في المصادر عن أصل حكاية اللي اختشوا ماتوا، من قال ذلك ومتى والأهم ما سبب موتهم أصلًا؟، وتتبعتُ الحكاية عبر المواقع، وكلٌّ يرويها على هواه، حتى وقفتُ عند حديث للناقد السعودي الدكتور عبد الله الغذامي في كتابه “تأنيث القصيدة”، صفحة 137. ذكر فيه أنه سمع الحكاية من الشيخ علي الطنطاوي، رحمه الله، في أشرطته المسجلة، والذي حكى أن حريقًا شبّ في بيت للطالبات في القاهرة، والبنات نيام على أسرّتهن في جوف الليل، وليس عليهن غير ثياب النوم.. فلما أحسسن باللهب، هبّت بعضهن هاربات إلى الشارع بثياب غير ساترة، وتردّدت أخريات، فمنعهنّ الحياء أن يخرجن بلا ستر، فأدركتهن النار فاحترقن.
وصار الناس يتحدثون عن الحادثة ويقولون: “اللي اختشوا ماتوا”.
هذه كانت الحكاية الأولى، أم الثانية التي لا تختلف كثيرًا في المعنى وحتى ف السرد، وكانت لمصادر مجهولة تقول إنه في العصر العثماني في مصر، وفي الحمّامات الشعبية القديمة التي تُخصَّص للنساء في أيام معلومة، ويُوقَد فيها الخشب والحطب لتسخين الماء والأرضية، اندلع الحريق في يوم من الأيام.. ولما تصاعد اللهب وعلا الدخان، فزعت النساء، وانقسمن فريقين: الأول خرج مسرعًا إلى الشارع، لا يلتفت إلى ثوب ولا ستر، يطلب النجاة بروحه، أما الفريق الثاني فقد أبى أن يخرج إلى الحشود وعيون الناس بلا ثياب، استعظامًا للموقف وحياءً وخجلًا، فآثرن البقاء في الداخل يحاولن الاختباء، حتى التهمتهن النيران جميعًا.
وعاد صاحب الحمّام فرأى الكارثة، فسأل الحارس بأسى: “هل مات أحد من النساء؟”، فأجابه الحارس: “نعم.. اللي اختشوا ماتوا”، أي أن اللواتي خجلن من العري هنّ اللواتي لقين حتفهن.
وأيًا كانت الرواية الصحيحة، وإن لم تكونا الإثنتين، إلا أنهما معبران حقيقية عن أن الحياء والمروءة رحلا مع من رحلوا، وأننا نعيش في زمن بلا خجل، فإن كان الأمر كذلك، فما العمل في هذه الحيرة؟ أنختشي فنموت، أم نترك الحياء ونعيش بدون حمرة الخجل كما يفعل البعض الآن؟!، يتجاوزون حدود الأدب، الذي لا يقتصر على اللسان المنفلت أو البلطجة، بل يشمل كل تصرف مشين لا يليق.
ننظر اليوم فنرى مهرجانات الفن، ولا أدري: أإذا لم يستحِ من فيه لم يعد مهرجانًا؟ غاب الحياء عن القول والفعل، وجاء الغياب باسم الحرية والحداثة والعولمة. فإذا اعترضتَ قيل لك: “أنتم مجتمع ردة، ردة مجتمعية وردة فكرية، وكلكم زي السلفيين”، هل التعبير عن رفض شيء معيب سواء قولًا أو فعليًا، خاصة الانفتاح الذي طال حتى الملابس؟، أصبح اتهام بالردة والسلفية، وكيف يجتمعان أصلًا؟،،
في النهاية أنا لا أقصد مهرجانات أو مناسبات بعينها فقط، فقد غاب الحياء والخشا عن يومنا وبيننا وصرنا نصرخ: يا ناس عيب اختشوا! ما يصحش كدا!.. أم أن “اللي اختشوا ماتوا” فعلًا؟.








