في ضوضاء الزحام حولي، ولفحة البرد الصباحية، وعيناتي التي تصارع أمواج البشر، كان صراعًا في رأسي يدق بألم صداع يطرق على جدران الدماغ بكتلة تفكير صعبة.. وشوش أعرفها وطباع أحيانًا وأخرى مفاجئة فاجعة، جلست متأملًا غير منبهرًا غائب عن عقلي الاندهاش، فيبدو أن الزمن قد انتزع من قلبي ونفسي وعقلي ذلك..
هنا، أناس لا يجتمعان إلا سويًا، لكن الآن مفترقين يقف كل منهما مع آخر غيره، وهناك يجلس آخرين لم يكن اسمهما يجتمع إلا في خصومة فاجرة، حسابات اختلفت وتحالفات ظهرت، وابتسامات ارتسمت، وأحضان اُفتعلت، وقبلات على الرأس اُصطنعت، وعبارات نفاق انتلقت حتى غيمت السماء واختفى نقاؤها.
توهت بعض الشيء، لكن ليس باستغراب، هذه الخيانة لا اتعجب لها، وهذه المؤامرة استصيغها، فهذا زمان ضاق فيه صدر كثيرين بالاختلاف، واتسع للمصالح وإن كانت غير حميدة، غبار الخُبث يحجب الرؤية عن الوشوش، إذ صار الرأي المغاير تهمة، والحياد جريمة، وكلمة الحق التي لا توافق هوى الجماعة خيانة تستوجب العقاب، واعتراض المصالح سببًا كافيًا لبيع الاتفاق..
هذا ما شاهدته، لتستحضرني كلمات شكسبير: حتى أنت يا بروتس.. نطقها يوليوس قيصر عندما رفع الأول خنجره وصوبه نحو الأخير “صديقه” الذي لم يسقط من طعنات كاسكا ولا أي من أعضاء مجلس الشيوخ الذي حضر للنيل منه، بل لأن صديقه الذي لم يمد يده إلا لسواه، كان هو الطاعن أيضًا، متلفظًا مع أنفاسه “حتى أنت يابروتس؟!!.. إذن فلتسقط ياقيصر!!.
وهذا المعز أيبك خانته شجرة الدر وقتلته بدمٍ بارد، وهذا قُطز بعد نصره على المغول في عين جالوت وإنقاذه العالم الإسلامي من خطرهم، عاد نحو مصر، وفي الطريق قرب الصالحية قُتل على يد جماعة من أمرائه، كما ذبح أهل الكوفة الحسين بن علي بعدما آمن لهم عندما راسلوه للقدوم ليبايعوه.
نعم لا يسقط أحد إلا بالخيانة، ولم تسقط العراق سوى بالخيانة، لم تضع سوريا إلا بالخيانة، ومن قبلها ألمانيا والاتحاد السوفيتي.
فهنا تكمن المأساة، في الخيانة والكذب والطعن في الظهر، من أجل الذات، من أجل المصلحة الشخصية، من أجل المطامع قد أبيع صديق عمري الذي أفداني، اتخلى عنه وأكتب نهايته بيدي، ولا أعلم أن نهايتي محتومة ببعده ونهايته، وأن ما صادرته على نفسي بأن الحق ملكي قد يكون هو قمة الباطل، منطق أن الحق فقط معي وما عداه هو باطل، منطق غريب، فالاختلاف ليس باطلًا بالضرورة، والمصلحة الشخصية ليست حقًا أصيلًا في كل زمان ومكان.
كيف وإن وصل صوتي ورسخت كلماتي في أذان هؤلاء، أن تستقر قلوبهم؟، كيف تكون القناعة إذًا بأن الجميع ليس قاضيًا يحكم، من أقنعهم بأن الخيانة دهاء ونصاحة وأن المجاملة والنفاق هو احترام وذوق وأدب مع الآخرين.
النفاق لا يعني أدب وخُلق رفيع، وهذا لا يعني بالتأكيد أن تنظر عيناك لمن يختلفون معك باستحقار أو من يفعلون ذلك باشمئزاز، فليس كل من وقف في المنتصف جبانًا، ولا كل من رفض الانحياز الأعمى متآمرًا، فقد يكون صاحب ضمير يرى في الطرفين خطأً وصوابًا، ويأبى أن يمنح أحدًا شيكًا على بياض، ولا يصح أن نعد ونخالف الوعد والعهد، فإذا وعد الإنسان وأخلف هذا نفاق والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، فهل أنتم قادرون على هذا الوعد العظيم؟.
أخيرًا.. لا توعد وتُخلف وعدك، ولا تحسبها “نصاحة وشطارة”، فالكلمة شرف، الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور، الحياة لا تُبني بالكذب، والمستقبل لا يدوم بالأقنعة، الصدق وحده هو النجاة، والالتزام بالوعد والعهد من سمات الرجال، والكاذب لم يكن صديقًا من البداية، ولا أخًا نثق فيه ونقوى به، بل هي الأيام تزيح الستار ويزول الاحترام ويُدفن كل شيء تحت التراب..
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما عملته على الذين من قبلنا ، ربنا ولا تُحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين…










