بينما تنشغل العواصم المركزية بترميم تصدعات الخارطة العربية، يرتفع من قلب بغداد صوتٌ سياسي لا يمكن تجاوزه؛ إنه صوت السياسي الشاب محمد الحلبوسي، الذي يبدو أنه قرر تجاوز لغة “المجاملات البروتوكولية” ليضع النقاط على الحروف في ملفات تمس جوهر السيادة وتهدد مفهوم “الدولة الوطنية”.
الحلبوسي، الذي يتصدر اليوم جبهة استعادة هيبة “المركز”، بدأ في تفكيك خيوط ما وصفه مراقبون بـ “المخطط الكبير” الذي تديره مراكز نفوذ معينة، ليس فقط لخلخلة البنية العراقية، بل لزرع نتوءات غريبة في خاصرة الأمن القومي العربي.
وحدة المصير.. في مواجهة “الأجندات الضيقة”
لم يعد خافياً أن رؤية الحلبوسي تتحرك اليوم لرصد تحركات “سياسة الأمر الواقع” التي تحاول بعض الأطراف في الشمال فرضها كمدخل للانفصال الجيوسياسي. في صالوناته السياسية، يكشف الحلبوسي – بلغة رصينة لكنها حادة – أن التآمر على وحدة التراب الوطني تجاوز سقف الطموحات المحلية، ليتحول إلى “خارطة طريق” مموهة تهدف إلى إضعاف العاصمة الأم. إن بناء “كيانات موازية” تعيش على استنزاف موارد العمق العربي في الوسط والجنوب، هو في نظره ليس مجرد فدرالية، بل هو “استثمار في التجزئة”.
بوابة العرب الشرقية.. وسؤال الولاء المزدوج
بذكائه السياسي، يعيد السياسي الشاب توجيه البوصلة نحو القاهرة والخليج، محذراً من أن “الانعزال الشمالي” ليس شأناً داخلياً، بل هو محاولة لفك ارتباط العراق بمحيطه القومي. يطرح الحلبوسي تساؤلاً جوهرياً يتردد صداه في أروقة القرار العربي: “هل يمكن الوثوق بجهات تفتح نوافذها لرياح تهب من اتجاهات معادية للوحدة العربية؟”. الرسالة هنا واضحة؛ بغداد هي الحصن، وأي محاولة لتغيير هوية “بوابتنا الشرقية” هي استهداف مباشر للأمن الجماعي.
الظلال القلقة.. وحصان طروادة “الوافد”
في واحدة من أكثر فقرات رؤيته جرأة، يفتح الحلبوسي ملف “المناطق الرخوة” أمنياً، حيث تتصاعد الهواجس من تحول بعض النقاط الحيوية إلى منصات لاستقبال “خبرات وتكنولوجيا” تنتمي لكيان معادٍ للعرب. دون تسمية الأشياء بمسمياتها الفجة لتجاوز المحاذير، يلمح الحلبوسي إلى أن الغطاء الاستثماري والمستشاري في بعض الجهات قد يخفي خلفه “ظلالاً لموساد” أو لمهندسي التطبيع السري.
ابن العراق البار هنا يفرق بوضوح؛ فهو يثمن نسيج الشعب الكوردي كجزء أصيل من الأمة، لكنه يدق ناقوس الخطر تجاه “عرابين” يحولون مدن العراق إلى ملاذات آمنة لأجندات عابرة للحدود، محولين الإقليم إلى “حصان طروادة” لعدو تاريخي يتربص بالمنطقة.
المفارقة الصادمة: اقتصاد “الابتزاز والاستقواء”
يضع الحلبوسي الرأي العام العربي أمام أرقام وحقائق تثير الذهول حول ما يمكن تسميته “الابتزاز السيادي”:
• استنزاف الموارد: كيف لجهات أن تقتطع حصتها من ميزانية المركز لتمويل بنيتها الانفصالية؟
• التفرد بالثروة: بيع النفط عبر قنوات مستقلة وإيداع العوائد في حسابات “خلفية” بعيدة عن عين الدولة وقانونها.
• الاستقواء بالخارج: توظيف القوى الإقليمية والدولية كأوراق ضغط لتعطيل القرار الوطني الموحد.
حائط الصد الأخير
إن ما يقوم به محمد الحلبوسي اليوم يتجاوز الصراع الحزبي؛ إنه محاولة لإنقاذ “الهوية العربية للعراق” من براثن التفتيت الممنهج. هو يواجه مشروعاً صُمم في غرف مغلمة لا تخدم مصلحة المواطن، بقدر ما تخدم “الحالمين بالتقسيم”. إن كشف السيد محمد الحلبوسي لهذه الأوراق، يضعه في خانة القائد الذي اختار أن يكون “حائط الصد” الأخير، مانعاً ضياع العراق في دهاليز التدويل، ومؤكداً أن قوة العراق في “مركزه” لا في “كانتونات” الاختراق.









