يولد الإنسان حرّا ً في داخله، ثم يبدأ العالم من حوله في بناء الأسوار؛ هذا يقول له افعل، وذاك يقول لا تفعل، وآخر يراقب خطواته، ورابع يمنحه القبول إن تشابه معه، ويسحب منه الرضا إن خالفه .. ومع الوقت، ينسى كثيرون صوتهم الحقيقي، ويعيشون أسرى لصوت الناس.
من أخطر ما يواجه الإنسان في حياته، أن يجعل قيمته معلقة في عيون الآخرين، وأن يربط راحته برضاهم، وأن يقيس نجاحه بمديحهم، وفشله بانتقادهم .. هنا لا يعود يعيش حياته كما يريد، بل كما يريدون، ولا يتحرك وفق قناعته، بل وفق توقعاتهم.
الناس بطبيعتهم مختلفون؛ ما يراه أحدهم صوابا ً يراه آخر خطأ ً، وما يمدحه شخص يهاجمه غيره، وما يرضي فئة قد يثير غضب فئة أخرى .. لذلك فإن من جعل هدفه إرضاء الجميع، دخل سباقا ً لا نهاية له، وخسر نفسه في منتصف الطريق.
كم من إنسان ارتدى شخصية لا تشبهه فقط ليحظى بالقبول؟
وكم من شخص صمت عن رأيه خوفًا من التعليقات؟
وكم من امرأة أو رجل عاش عمره يؤدي دورا ً اجتماعيا ً مرهقا ً حتى لا يقال عنه شيء؟وكم من موهبة ماتت لأنها خافت من السخرية؟
المشكلة ليست في الناس وحدهم؛ بل في الوهم الذي نمنحه لهم، نحن أحيانا ً نرفع أحكامهم فوق حجمها الحقيقي، ونتعامل مع آرائهم كأنها قدر لا يُرد .. بينما الحقيقة أن كثيرا ً من الأحكام تُقال في لحظة، ثم ينساها أصحابها بعد دقائق، لكننا نحن نحملها سنوات.
من ينتظر رضا الناس يظل متوترا ً، يراجع كلماته كثيرا ً، ويخشى أن يرفضه أحد، ويبدل مواقفه حتى يناسب الجميع. ومع الوقت يفقد أهم ما يملك: وضوحه الداخلي يصبح نسخة معدلة باستمرار، تتشكل حسب الجمهور، لا حسب الحقيقة.
والغريب أن الناس أنفسهم لا يحترمون هذا النموذج طويلا ً، فهم قد يبتسمون له، لكنهم يدركون أنه بلا ثبات، وقد يصفقون له، لكنهم لا يثقون فيه .. فالإنسان الذي يغير ملامحه لإرضاء الجميع، ينتهي غالبا ً بلا ملامح حقيقية.
الراحة لا تأتي حين يرضى عنك الناس، بل حين ترضى أنت عن نفسك بعدل وصدق. والطمأنينة لا تأتي من التصفيق الخارجي، بل من السلام الداخلي؛ أما السعي الدائم لنيل القبول، فهو طاحونة تستنزف العمر ولا تشبع أبداً.
ليس معنى ذلك أن نتجاهل الناس أو نتكبر عليهم، ولا أن نرفض النصيحة أو نهمل النقد الصادق؛ الفرق كبير بين احترام آراء الآخرين، وبين العيش عبدا ً لها بين الاستفادة من الملاحظات، وبين تسليم المقود بالكامل لمن حولك.
خذ من النقد ما ينفعك، واترك ما يكسر روحك بلا حق.
استمع، لكن لا تفقد نفسك. راجع نفسك، لكن لا تُلغها.
كن مهذبا ً، لكن لا تكن ممسوح الشخصية.
الحياة أقصر من أن تُعاش في مسرح دائم؛ والإنسان أثمن من أن يقضي عمره ممثلا ً يبحث عن تصفيق جمهور متقلب.
لذلك؛ من عرف نفسه، وحدد قيمه، وتصالح مع نقصه البشري، تحرر من أكثر السجون خفاءً، أما من عاش ينتظر رضا الناس .. عاش أسيرَ أحكامهم.










