أحدث مشروع قانون الأحوال الشخصية نقلة نوعية في فلسفة العقاب والالتزام، حيث نصت المادة (143) على قاعدة “النفقة مقابل الرؤية”.
فبموجب هذا النص، يُحرم الممتنع عن سداد نفقة المحضون من حقه في الرؤية ما دام لم يقدم عذراً مقبولاً، ولا يُسترد هذا الحق الإنساني إلا بالوفاء الكامل بالالتزامات المادية.
يهدف هذا الإجراء الصارم إلى ضمان حياة كريمة للطفل، مؤكداً أن التواصل الوالدي ليس حقاً مجرداً، بل هو التزام شامل يبدأ بكفاية الطفل مادياً وينتهي برعايته معنوياً.
الرؤية الرقمية.. استجابة ذكية لواقع الاغتراب وحداثة التكنولوجيا
في مادة استشرافية تعكس مرونة المشرع المصري، استحدثت المادة (144) نظام “الرؤية الإلكترونية”، كبديل أو مكمل للرؤية المباشرة. يفتح هذا التعديل آفاقاً جديدة للأباء أو الأمهات المغتربين أو من تمنعهم ظروف استثنائية من التواجد الفعلي، حيث منح القانون قاضي الأمور الوقتية سلطة التنفيذ، وترك لوزير العدل وضع الضوابط التقنية التي تضمن هيبة “اللقاء الافتراضي” وخصوصيته، بما يحقق الأمان النفسي للمحضون.
ضوابط زمنية مرنة تراعي مصلحة الصغير الفضلى
أقرت المادة (145) معايير دقيقة لتنفيذ الرؤية، محددةً مدة لا تقل عن ثلاث ساعات أسبوعياً، مع اشتراط تنفيذها في وقت كافٍ بين الثامنة صباحاً والعاشرة مساءً. ولم يضع القانون قوالب جامدة، بل أوجب مراعاة الظروف الصحية للمحضون، وتغيرات فصول السنة، وحتى فوارق التوقيت الدولي في الرؤية الإلكترونية، لضمان ألا تتحول الرؤية إلى عبء بدني أو ذهني يعوق حق الصغير في الراحة أو التحصيل الدراسي.
ردع “الإهمال العاطفي”.. حماية المحضون من خيبات الأمل
انتصرت المادة (146) للصحة النفسية للطفل عبر مواجهة ظاهرة “الغياب المتكرر” لغير الحاضن. ففي حال تغيب صاحب حق الرؤية ثلاث مرات متتالية دون عذر أو إخطار، يحق للحاضن استصدار أمر بوقف الرؤية لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر. هذا الإجراء العقابي يهدف إلى منع التلاعب بمشاعر الصغير وحمايته من الصدمات النفسية الناتجة عن الانتظار بلا جدوى، وتعزيز الجدية في ممارسة الحقوق الوالدية.
سيادة الإرادة عند سن الخامسة عشرة.. الانتقال من الوصاية إلى الاختيار
وضع القانون حداً فاصلاً للنزاعات القضائية المستمرة حول الرؤية، حيث نصت المادة (148) على سقوط حق الرؤية قانوناً بمجرد بلوغ الصغير سن الخامسة عشرة. في هذه المرحلة، يعترف المشرع بنضج الأبناء وأهليتهم في اختيار شكل وطبيعة علاقتهم بوالديهم، فتنتقل الولاية من المحكمة إلى إرادة الابن أو الابنة مباشرة، تقديراً لاستقلاليتهم الشخصية ودعماً لنموهم النفسي السليم بعيداً عن أروقة المحاكم.











