لطالما كان تجسيد شخصية الشيطان أو الشر المطلق على الشاشة فخًا يقع فيه الكثيرون، حيث ينزلق الأداء غالبًا نحو الصراخ والمكياج المرعب والحركات الهستيرية المنفرة.. لكن مع ظهور الفنان فتحي عبد الوهاب في دور “سميح الجلاد” ضمن ملحمة “المداح”، استطاع أن يرسخ في وجدان المشاهد مدرسة تمثيلية مغايرة تمامًا، مدرسة تقدم لنا شرًا أنيقًا وذكيًا، يغزو العقل قبل أن يثير الفزع، مما جعل الجمهور يترقب ظهوره بشغف رغم كونه يمثل منبع الأذى في العمل، الأمر الذي يساعد في تسهيل الفكرة وترسيخها في العقل بشرح بسيط.
عبقرية فتحي عبد الوهاب ظهرت للجميع وكشفت عن قدرته الفائقة على تجسيد أفعال الشيطان وصوره المختلفة بأسلوب السهل الممتنع، لم يحتج إلى صوت عالٍ أو مشاهد مؤذية للذوق العام ليقنعنا بجبروته، بل اعتمد على نظرة عين ثاقبة وابتسامة هادئة تحمل خلفها مئات المعاني، فقدم للمشاهد جرعة دسمة من الوعي والفن الراقي، مبينًا أن الشر الحقيقي لا يحتاج إلى ضوضاء وصخب، بل هو ذلك الهمس الناعم الذي يتسلل إلى النفوس ليغير مصائرها، وهو ما عكس فهمًا عميقًا لجوهر الشخصية وأبعادها النفسية.
منذ اللحظة الأولى لظهور سميح الجلاد وحتى امتداد الشخصية وتطورها وصولاً للجزء السادس، نجح فتحي في الحفاظ على وتيرة أداء مذهلة ومستقرة، فلم نشعر يومًا بملل أو تكرار، بل كان في كل مشهد يضيف طبقة جديدة من الغموض والهيبة، ويجسد شخصية جديدة ومختلفة، حيث دور الشيطان التجسد وإثارة الفتن، فتمثل في دور الطبيب النفسي ودور البهلوان ودور الشيخ المزيف كشيطان قادر على التجسد والتمثل، وكفنان قادر على تقديم ألوان وشخصيات متعددة متنوعة ومختلفة ومتقنة.
هذا الأداء المتميز لم يكن مجرد تمثيل، بل كان تجسيدًا حيًا لفكرة الغواية، حيث استطاع تبسيط أعقد المفاهيم الإنسانية حول الصراع بين الخير والشر، وجعل المشاهد يدرك ألاعيب النفس البشرية حين تضعف أمام المغريات.
واللافت في مسيرة هذا الفنان القدير هو تواضعه الجم واتساقه مع ذاته، فبرغم النجاح الساحق والأداء الذي خطف الأضواء، لم يخرج فتحي عبد الوهاب يوماً ليتحدث عن عبقريته أو ليتباهى بأرقامه، ولم يدخل في صراعات واهية لإثبات تفوقه. هو فنان يعمل بصمت واجتهاد، يقدس مهنته ويحترم عقلية جمهوره، مؤمناً بأن العمل الجيد هو الذي يفرض نفسه ويخلد صاحبه. هذا الرقي في التعامل مع النجاح زاد من احترام الجمهور له، وجعل موهبته تتلألأ أكثر بعيداً عن ضجيج “التريند” المصطنع.
لقد استطاع فتحي عبد الوهاب أن يكسر القاعدة الذهبية التي تجعل المشاهد يكره الشرير، فبعراقة فنه وصدق أدائه، وجدنا أنفسنا نحبه ونحن نراه يجسد ذروة الشر، أحببنا فيه تلك القدرة على الإقناع، والتمكن من أدوات الممثل الذي يطوع جسده وصوته لخدمة الفكرة، وجعلنا نتأمل في جماليات التمثيل وقوته في تغيير القناعات، حتى أصبح “الشيطان” على يده مادة للدراسة الفنية الممتعة وليس مجرد مصدر للنفور.
سيظل دور “سميح الجلاد” علامة فارقة في تاريخ الدراما المصرية، وسيبقى فتحي عبد الوهاب ذلك المبدع الذي قدم لنا المتعة والوعي في آن واحد. بساطته في تقديم الشر، واجتهاده الدائم في تطوير أدواته، جعلاه يستحق بجداره لقب “الشيطان الذي أحبه” الجمهور، ليس حبًا في الشر ذاته، بل عشقاً لفن راقٍ استطاع أن يصل إلى القلوب والعقول برقي وهدوء، مؤكدًا أن العبقرية الحقيقية تكمن في الإخلاص للفن بعيدًا عن الصخب.









