شهدت أروقة المؤتمر السنوي التاسع للدراسات العليا المنعقد تحت عنوان الأبعاد القانونية والاقتصادية لمنصات التواصل الاجتماعي طرح ورقة بحثية رصينة قدمها الباحث الحسين عبد اللطيف خضر المدرس المساعد بكلية الحقوق جامعة المنصورة والتي تناولت قضية شائكة تتعلق بتجريم نشر المحتوى الإلكتروني المخل عبر وسائل التواصل الاجتماعي في دراسة مقارنة معمقة بين أحكام الفقه الإسلامي ونصوص القانون المصري حيث كشف البحث عن مخاطر الأنماط الجديدة من الانحرافات الرقمية التي تتجاوز الحدود الجغرافية وتؤثر بشكل مباشر في تشكيل الرأي العام وتزييف القيم المجتمعية.
إشكالية الحرية والمسؤولية في الفضاء الرقمي
استعرض الباحث في مستهل دراسته الإشكالية المتزايدة حول الانتشار الواسع للمحتوى المخل الذي يتم تبريره أحياناً بمفاهيم مغلوطة مثل حرية التعبير أو ادعاء إنكار المنكر مؤكداً أن أهمية الموضوع تكمن في مساسه بجوانب حيوية تشمل خصوصية الأفراد والحفاظ على القيم الأخلاقية والأسرية.
وقد حدد البحث مفهوم المحتوى المخل بأنه كل سلوك شائن يمس السمعة أو ينتهك الخصوصية سواء عبر الصور أو المقاطع المصورة التي يتم تداولها دون إذن حتى وإن كانت تعكس واقعة حقيقية أو تشكل جريمة في ذاتها وهو ما يضع ضوابط صارمة للتوازن بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية والشرعية.
المنظور الشرعي وتحريم إشاعة الفاحشة والتشهير
أصلت الدراسة الموقف الفقهي من نشر هذا المحتوى مؤكدة تحريمه شرعاً لما ينطوي عليه من إثم يوجب العقوبة بسبب انتهاك الخصوصية وإشاعة الفاحشة وتتبع عورات الناس.
واستند الباحث إلى نصوص قرآنية قاطعة وأحاديث نبوية شريفة تحث على الستر وتنهى عن التشهير ومنها قوله تعالى إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم.
كما استشهد بموقف النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ماعز بن مالك وتوجيهه لهزال بالستر بدلاً من التحريض على الإقرار العلني مؤكداً أن الشرع لا يتشوف لنشر المساوئ بل يرسخ لمبدأ الستر كأصل أصيل في التعامل مع الهفوات البشرية.
تفنيد دعاوى إنكار المنكر والضوابط الفقهية للستر
فندت الورقة البحثية الادعاءات التي تبرر نشر المقاطع المخلة بدعوى إنكار المنكر حيث أكد الباحث أن هذا التبرير غير منضبط فقهياً لأن إنكار المنكر له أصول شرعية تمنع إزالته بمنكر أشد منه أو التسبب في مفسدة تفوق مصلحة التغيير.
وأوضحت الدراسة أن نشر هذه المقاطع يؤدي لتعميم الفاحشة بدلاً من الحد منها مما يجعل درء المفسدة مقدماً على جلب أي مصلحة متوهمة وأشار البحث إلى رأي الإمام النووي الذي فرق بين الستر المندوب لذوي الهيئات وبين المجاهرين بالفساد الذين ترفع قضاياهم لولي الأمر دون نشرها علناً لضمان عدم جرأة الآخرين على ارتكاب ذات الأفعال.
التوصيف القانوني في التشريع المصري وعقوبات المادة 25
على الصعيد القانوني حللت الدراسة نص المادة الخامسة والعشرين من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، حيث اعتبر القانون أن نشر هذا المحتوى اعتداء صارخ على المبادئ والقيم الأسرية وتقويض لكيان الأسرة الذي هو أساس المجتمع كما جرم القانون انتهاك حرمة الحياة الخاصة بالتقاط أو نشر صور أو بيانات دون رضا أصحابها وحددت المادة عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة تتراوح بين خمسين ألفاً ومائة ألف جنيه أو إحدى هاتين العقوبتين مشددة على أن صحة الواقعة المنشورة لا تنفي الجريمة طالما وقع النشر دون سند قانوني وبقصد التشهير.
خارطة طريق للتعامل القانوني وتوصيات البحث الختامية
اختتم الباحث دراسته بالتأكيد على أن المسار الصحيح عند مشاهدة وقائع مخلة هو الإبلاغ الرسمي للجهات المختصة كالنيابة العامة ومأموري الضبط القضائي وفقاً للمادة 25 من قانون الإجراءات الجنائية لضمان العدالة دون هدم القيم الاجتماعية.
وقد أوصى البحث بضرورة تكثيف الوعي المجتمعي عبر المؤسسات الدينية والإعلامية بخطورة النشر الرقمي وعواقبه مع توجيه الباحثين لإجراء مزيد من الدراسات المقارنة حول سلطة الأفراد في ضبط الجرائم رقمياً بما يحقق التوازن بين حماية الكرامة الإنسانية وصون النظام العام في ظل التطور التكنولوجي المتسارع.











