كثيرون يعتقدون أن القانون يعيش فقط داخل قاعات المحاكم، وبين صفحات الكتب القانونية، وأن تطبيقه يحتاج إلى قاض ومحام وأوراق رسمية وختم لا ينقصه سوى الحبر.
لكن الحقيقة أن القانون يعيش معنا كل يوم، في الشارع، وفي العمل، وحتى داخل البيت بل أحيانا نجد أنفسنا نطبق مبادئ قانونية دون أن نشعر.
ففي كل منزل توجد “محكمة مصغرة” لها نظامها الخاص، فالأب قد يتحول فجأة إلى قاض، والأم تقوم بدور النيابة العامة، والأبناء يقفون في موقف الدفاع، ولكن مع فارق بسيط، أن الحكم غالبا يصدر قبل سماع المرافعة!
فإذا اختفى شيء من المنزل تبدأ إجراءات التحقيق فورا:
من آخر شخص رأى الهاتف؟، من دخل الغرفة؟، من كان موجودا وقت الواقعة؟
وتبدأ جمع الأدلة، ولكن بطريقة مختلفة عن المحاكم، فالدليل هنا قد يكون نظرة من الأم، أو صمت أحد الأبناء، أو جملة شهيرة مثل: أنا كنت عارف إنك هتعمل كده!
وهنا تظهر أول مشكلة قانونية، وهي أن المتهم في محكمة البيت لا يحصل دائما على حقه في الدفاع.
ففي القانون هناك قاعدة عظيمة تقول: المتهم بريء حتى تثبت إدانته، أما في بعض البيوت فالقانون المعدل يقول: المتهم بريء حتى تثبت الأم العكس!
لكن بعيدا عن المزاح، هذه المواقف اليومية تعلمنا معنى مهما؛ وهو أن العدالة ليست مجرد نصوص مكتوبة، بل سلوك وطريقة تعامل.
فالقانون الحقيقي لا يبدأ من المحكمة فقط، بل يبدأ من احترام الإنسان للآخرين، ومن إعطاء كل شخص فرصة لشرح موقفه.
كم من مشكلة صغيرة كبرت لأن أحد الأطراف حكم قبل أن يسمع؟ وكم من خلاف انتهى لو أعطينا الآخر دقيقة واحدة ليشرح؟
حتى في العلاقات اليومية نحتاج إلى مبادئ قانونية بسيطة:
لا تصدر حكما دون دليل، لا تتهم دون سبب، لا تجعل الغضب قاضيا، لا تجعل سوء الظن محاميا للخصومة.
والغريب أن بعض الناس يطالبون بالعدالة في كل مكان، لكن عندما يكونون طرفا في مشكلة يريدون أن يكون القانون في صفهم فقط.
فإذا اختلف شخص مع جاره يقول: أين القانون؟
لكن إذا أخطأ هو يقول: الموضوع بسيط… نحلها بينا!
وكأن القانون يجب أن يحضر فقط عندما تكون الحقوق لنا، ويغيب عندما تكون علينا التزامات.
إن المجتمع الذي يحترم القانون لا يحتاج دائما إلى محاكم كثيرة، لأنه يجعل العدل عادة يومية.
وفي النهاية، ربما لا نحتاج إلى قاض داخل كل بيت، ولكننا نحتاج إلى شيء أهم: قليل من الهدوء، وقليل من حسن الظن، وكثير من العدل.
ومع ذلك ستظل بعض القضايا الأسرية بلا حل إلا بالحكم النهائي الشهير:خلاص يا جماعة نفتح صفحة جديدة.
لكن قبل فتح الصفحة الجديدة : مين اللي أخد الشاحن؟!








