أرست دار الإفتاء المصرية قاعدة فقهية واضحة تفتح باب الأمل أمام الملايين من عشاق زيارة بيت الله الحرام، حيث حسمت الجدل الدائر حول مدى مشروعية أداء مناسك الحج أو العمرة عن طريق الفوز بالمسابقات الثقافية أو العلمية أو الخيرية.
وأكدت دار الإفتاء في أحدث فتاواها الرسمية أن هذه الرحلات المجانية الممنوحة للفائزين تعد جائزة ومقبولة شرعاً، ولا تشوبها أي حرمة، طالما سلكت القنوات المشروعة والتزمت بالضوابط التنظيمية للدولة.

تفكيك مفهوم “الاستطاعة”.. المال الشخصي ليس شرطاً وحيداً
وفجرت الفتوى مفاجأة فقهية تفكك الفهم التقليدي لشرط “الاستطاعة” الوارد في القرآن الكريم لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾؛ حيث أوضحت الإفتاء أن الاستطاعة نوعان: مالي وجسدي، والجانب المالي لا يقتصر حصراً على مدخرات الشخص أو كسب يده، بل يتحقق قانوناً وشرعاً من خلال:
-
الهبات والمنح: كل ما يؤول إلى المسلم عن طريق التمليك المشروع.
-
جوائز المؤسسات: الإعانات والرحلات التي تقدمها جهات رسمية أو خيرية دون مشقة أو مخالفة شرعية.
واعتبرت الدار أن الفوز بالمسابقة ينقل ملكية الرحلة إلى الفائز بالكامل، مما يجعله “مستطيعاً” بمجرد استلام الجائزة، وتصبح حِجّته صحيحة ومجزئة عن حجة الفريضة.

فلسفة التنافس في الإسلام: لماذا تُعد المسابقات مشروعة؟
ردّت الفتوى على المشككين في مشروعية الجوائز الحديثة، مؤكدة أن الأصل في المسابقات هو الجواز والندب، لما فيها من تحفيز للعقول، ونشر للوعي، وتشجيع على التنافس المحمود لقوله عز وجل: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.
-
الشرط الحاسم للجوائز: اشترطت دار الإفتاء أن تكون الجائزة مقدمة من “طرف خارجي” (مثل جهة خيرية، أو شركة راعية، أو مؤسسة عامة)، وليس من أموال المتسابقين أنفسهم، لانتفاء شبهة “القمار” أو “المقامرة” في هذه الحالة.
تفسير معاصر لحديث “لا سَبَقَ”.. التوسع في منافع العلم والمعرفة
وفي لفتة تفسيرية هامة، أوضحت دار الإفتاء معنى الحديث النبوي الشريف: «لا سَبَقَ إلا في خُفٍّ أو نَصْلٍ أو حافِرٍ». وبيّنت الدار أن الحديث ركّز على وسائل القوة والجهاد في عصر النبوة (الإبل، السهام، الخيل)، لكن علة الحكم تتسع لتشمل في عصرنا الحالي كل ما يمثل “قوة علمية وفكرية” للأمة.
بناءً على ذلك، أجمع العلماء على جواز التوسع في المسابقات لتشمل الأنشطة الثقافية والدينية والذهنية، باعتبار أن نشر العلم والمعرفة وتنمية وعي الشعوب لا يقل أهمية عن إعداد القوة العسكرية.
تحذير واجب: الالتزام بالقوانين الرسمية شرط لصحة الرحلة
وفي ختام فتواها، وجهت دار الإفتاء رسالة حازمة للمواطنين والمؤسسات، شددت فيها على ضرورة الالتزام التام بالمنظومة القانونية والإجراءات الرسمية التي تفرضها الدولة لتنظيم رحلات الحج والعمرة. ودعت إلى ضرورة أن تكون تلك الجوائز مدرجة تحت الأطر المعتمدة، تجنباً للوقوع في فخ المخالفات التنظيمية، مؤكدة أن تحقيق المقاصد الشرعية للعبادة يمر دائماً عبر بوابة النظام والالتزام بالقانون.











