أصدرت دار الإفتاء المصرية دليلاً فقهياً شاملاً يجيب عن أبرز التساؤلات الشائعة حول أحكام الأضحية، لتوضيح الحدود الشرعية للمواطنين والجمعيات الخيرية. وتناول الدليل حسم الجدل حول مدى مشروعية تخزين لحوم الأضاحي وتوزيعها على مدار العام، فضلاً عن القواعد الحاكمة لصكوك الأضحية، وحكم اللجوء إلى الاقتراض المالي لأداء هذه الشعيرة.
تخزين اللحوم وتوزيعها طوال العام.. رخصة نبوية للتكافل الاجتماعي
أفتت دار الإفتاء بجواز قيام الجمعيات الخيرية بتجميع لحوم الأضاحي من المضحين، وحفظها بالطرق الطبية السليمة، ثم إعادة توزيعها على الأسر الأولى بالرعاية على دفعات متفرقة طوال العام. وأكدت الدار أن هذا الإجراء لا مانع منه شرعاً، مستندة إلى السنة النبوية المطهرة.
الدليل الشرعي: عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، فَلَمَّا كَانَ العَامُ المُقْبِلُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ المَاضِي؟ قَالَ: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ العَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا» (رواه البخاري).
ويوضح الحديث أن النهي القديم عن الادخار كان لعلة وجود ضائقة بالناس، فلما زالت العلة عاد الحكم إلى الجواز والندب لمعونة الفقراء.
صك الأضحية.. وكالة شرعية تلتزم بضوابط الذبح والتوزيع
وفي سياق التوعية الإلكترونية للأحكام، أوضحت دار الإفتاء عبر منصتها الرسمية على “فيسبوك” أن صك الأضحية يُعد نوعاً من أنواع الوكالة الجائزة شرعاً؛ حيث يقوم المضحي بإنابة جهة معينة (كالجمعيات والمؤسسات) لتتولى عملية الشراء، والذبح، والتوزيع نيابة عنه.
-
مسؤولية الجهة الوكيلة: شددت الدار على أنه يجب شرعاً على الجهات المتلقية للصكوك مراعاة كافة الشروط والضوابط الفقهية المقررة، بدءاً من اختيار الأضحية المستوفية للشروط، مروراً بوقت الذبح الشرعي، وصولاً إلى آلية التوزيع العادلة لضمان صحة العبادة وإجزائها عن المضحي.
هل يجوز الاقتراض لشراء الأضحية؟.. القدرة المالية تفصل بين الجواز والمنع
أوضحت دار الإفتاء، بناءً على ما ورد في “المختار للفتوى”، أن الأضحية في أصلها سنة مؤكدة، وأن الاستطاعة والقدرة المالية شرط أصيل في التكليف العام، وفي الأضحية بشكل خاص؛ لقوله تعالى: «لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا» (البقرة: 286)، وقوله سبحانه: «لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا» (الطلاق: 7)، وبناءً عليه لا يُطالب المسلم غير القادر بعبادة الأضحية.
ومع ذلك، وضعت الدار تفصيلاً حاسماً لحكم الاستدانة والاقتراض لشراء الأضحية وفق حالتين:
-
الجواز المباشر: يجوز الاقتراض لمن يعلم من نفسه القدرة يقيناً على سداد هذا الدين لاحقاً دون حرج مالي.
-
المنع المشروط: لا يجوز شرعاً لمن يعجز عن الوفاء والسداد أن يقترض ليضحي، إلا في حالة واحدة؛ وهي إبلاغ المُقرض بحقيقة حاله المادية وموافقته على ذلك.
وأكدت الإفتاء أن الأضحية التي تُشترى بمال مقترض تُعد صحيحة ومجزئة شرعاً، وتُسقط الطلب عن صاحبها، طالما تطابق الاقتراض مع الشروط والضوابط المذكورة.











